وداعا زايد

(1) 

·  برحيل زايد ـ تغمده الله بواسع المغفرة والرحمة ـ خسرت الأمة قائدا وزعيما عظيما من أنبل وأغلى الرجال..

·  وبرحيل القائد صاحب الاطلالة المحببة للنفوس خسرت أمتنا قائدا وزعيما قل ما يجود الزمان بمثله .

·  ومع ذلك تظل المسيرة متواصلة ، والعطاء متجددا ، والقافلة تسير ، بجيل من أبنائه ومعاصريه ، عاش عصره ، وشارك في مسيرته ، ذلك هو جيل المحظوظين ، جيل زايد ، القدوة والقدرة .

·  لكن أبناء زايد الكرام ، ما لم يدركوأ أن الحاضر بمتغيراته المستجده وتبعاته الباهظة في العطاء والتضحية والفهم والشفافية ، يتطلب مزيدا من الاستشعار بثقل مسئولية المستقبل ، ومسئولية التغيير ، وملء الفراغ الكبير الذي خلفه القائد ، لأن المتغيرات القادمة وهي متغيرات آتية لا ريب ، ستتجاوز منطق الاتكال أو التواكل على إرث الماضي .

·  لذلك سيظل أملنا معقودا على نزاهة وشفافية جيل زايد المحظوظين ، وخلفه في محاربة الفساد ونواقص الحاضر في كل اتجاه أو مكان حتى يُملأ الفراغ الذي نشأ بغياب الشيخ زايد رحمه الله تعالى.

(2)

·  كان زايد بشخصيته (الكاريزمية) يمثل القيادة الضرورية ، لشعب تحول من البداوة إلى التحضر ، في قفزة هائلة ، هي في عمر الزمن قصيرة ، ولكنها عميقة ومتسعة اتساع شخصية الرجل واكتساحه الجماهيري . ومع ذلك كان الرجل بتلك الشخصية المكتسحة ، باطلالتها المضيئة ، وتواضعها الجم وبساطتها المطلقة وحزمها الصارم ، كان معولا من معاول هدم التخلف ، وتشييد الاصلاح ، الذي سار به رويداً رويداً ، من مرحلته البدائية ، إلى ذروته المتطورة والحديثة ، بحذر وحكمة حتى وصلت السفينة إلى شاطىء الأمان .

( 3 )

·      ومع ذلك .....

·  ومع ذلك قد يقول قائل ، ولكن زايد غاب قبل أن يستكمل مقومات الدولة الحديثة وترك فراغا كبيراً ليس من الشهل تجاوزه أو المرور عليه ببساطة .

·      وهذا قد يكون صحيحا ....

·  لأن دولة الامارات كانت في ظل زايد تعتمد على القائد الضرورة ، لكن هذه القيادة الضرورية كانت حريصة كل الحرص على استكمال مؤسسات الدولة في ذات الوقت ، التي كانت الدولة تعتمد بالكامل على نظرته الثاقبة في تجسيد القدوة ، وتأكيد القدرة .

·      كيف ...؟؟؟

·  لأن زايد في معيار التجربة التي قامت في دولة الامارات ، لم يكن حاكما محليا فحسب ، وإنما كان فضلا عن ذلك ، زعيما عربيا ، وقائدا قوميا ، بكل معنى الكلمة  ومقاييس الواقع .

·  لقد كانت صفات الرجل النادرة ، في التواضع والتسامح، والسخاء والكرم ، والشهامة والنجدة ، والرحمة والوفاء،  أسلحة سباقة ونادرة، في حسم معركة شعبه مع التخلف، حققت على مستوى الواقع ما لم تحققه مقومات الحاكم الفرد، وبرغم أنه كان حاكما تقليدياً، غير أنه كان يعتمد على الاستشارة والرأي الآخر ، وهذه إحدى فضائل زايد التي اتسم بها على امتداد حكمه ، واتساع سلطاته .

(4)

·  قد يكون الحاكم عبقريا ، وربما كان منظّرا، وقد يكون سابقا لعصره ، ولكنه مع ذلك سيظل عاجزا أمام مستجدات الحكم المتجددة ، وحسن التصرف بمستجدات اللحظة ، ولكن زايد لم يكن كذلك ، وإنما كان رجلا ملهما ً وعفويا ً وحاضر اللحظة ، وهي من سجايا زايد الحميدة ومن خصاله الكريمة.

·  لقد كان حكيما بالفطرة ، وحليماً بالسلوك ، وثاقب الرؤية باتجاه تلمس آفاق المستقبل .

·      لذلك ....ولذلك ....

·      قامت دولة زايد ، على شخصيته ( الكاريزمية ) وسجاياه النادرة .

(5)

·  في الأيام الأخيرة من حياته ، حاول البعض وسط أمواج من الرياح العاتية تغييب الرجل عن خطوات استكمال دولة المؤسسات ، ولكن المخلصين من أنجال زايد الكرام والأوفياء ، وقفوا إلى جانب خروج السفينة من جنوحها فاستكمل الرجل بهم ومعهم ملامح الدولة المؤسسية قبل وفاته ، وخرج الجميع من أزمة السلطة وتعقيداتها وخباياها بمعجزة وشفافية أدت إلى خروج السفينة إلى شاطىء الأمان ، وهذا ما حدث لانتقال السلطة بعد وفاته بشفافية ويسر إلى خليفته وولي عهده الشيخ خليفة بن زايد حفظه الله مما جعل العالم يقف مدهوشاً لسرعة انتقال السلطة وشفافيتها بهذا السيناريو العجيب الذي كان غير متوقعاً .

(6)

·  ولكن البعض يطرح تساؤلات بعضها عجيب ، وبعضها الآخر غريب ، فضلا عن منطقية الرأي الآخر الذي يعتمد الحقائق ، ويجسد حقيقة الواقع.

·  والسؤال الآن :ما هو السر الكبير وراء هذا التحول الخطير بانتقال السلطة بكل سلاسة وشفافية إلى خلف زايد ، وخليفته ...؟

·  ماذا حدث ...وما هي الأسرار وحقيقة الشائعات التي ترددت عن أسرار اللحظات الأخيرة من حياة الراحل العظيم غفر الله له  ؟

·      ماذا وراء الأكمة ...؟

·       هل هناك معجزة ...؟ وكيف حدثت ...؟

·  في الساعات الأخيرة من حياة الشيخ زايد تسربت أنباء عن وفاته ..، ومع ذلك  ظلت أبوظبي متكتمة لهذا الخبر.

·  قال البعض أن الشيخ زايد في ظروف حرجة ، وقال آخرون أن خلافات وصراع عنيف على السلطة في أوساط الأسرة الحاكمة قد بدأ ، على الخلافة وتوزيع مراكز السلطة ، لكن الخبر اليقين، الذي تسرب أن الأسرة الحاكمة في أبو ظبي قد تغلبت على خلافاتها في الساعات الأخيرة من حياة الرجل .

·  وأن الشيخ محمد بن راشد ولي عهد دبي قد استطاع أن يقدم بوفاء كبير للأسرة الحاكمة في أبو ظبي تنازل دبي عن رئاسة الدولة ، واقناع حكام الامارات الآخرين بترشيح خلفه الشيخ خليفة بن زايد ، وأن هذه المساعي فضلا عن الوفاء من قبل الرجل لزايد ، قد لعبت دورا في اقناع الأسرة الحاكمة في دبي بضرورة الموافقة على أن تؤول رئاسة الدولة للشيخ خليفة بن زايد وهذا ما سهل انتقال السلطة بهذه الشفافية التي تمت بها ، والتي سيقف التاريخ أمامها طويلا ..طويلا !!!

 

(7)

·  وفي النهاية .. فإن كل من قابل زايد في حياته ، لن تنمحي من ذاكرته تلك الشخصية الرائعة البسيطة المتواضعة، والعفوية.

·  وفي لقاءاتي المتعددة مع الشيخ زايد ، خصوصا بعد استكمال كتابي : ( حياة زايد ـ الفارس الذي قهر الصحراء ) كانت لي جلسات ثرية مع الرجل، وخصوصا في المملكة المغربية حيث جلست معه جلسة مطولة في قصره العامر هناك ، كان حاضراً فيها الشيخ راشد بن أحمد المعلا حاكم أم القوين والدكتور مانع سعيد العتيبة وزير المعادن والبترول السابق .

·  وفي هذا المجلس كان الشيخ زايد على سجيته يحكي لي أسرار مؤتمرات القمة وزيارته إلى اليمن وأشياء أخرى ، أعتقد أن الأمانة تقتضي الافصاح عنها في لقاء لاحق إن شاء الله تعالى وقدّر .

·  ولذلك كانت وفاة الرجل خسارة عظيمة لشعبه وأمته ، وحزناً لمن عرفه وعاصره ، ولست إلا واحدا من هؤلاء الذين أحبوا زايد ، وتألموا كثيراً لغيابه.

(8)

·  وفي هذه اللحظات الحزينة من تاريخ أمتنا، نودع زايد الخير والعطاء داعين الله سبحانه وتعالى أن يتغمده بواسع رحمته ومغفرته وأن يسكنه فسيح جناته ويجزيه عن أمته خيراً ، وأن يوفق خلفه إلى ترسم خطاه ، ومواكبة مسيرته التاريخية الرائعة في تاريخ أمتنا ، وأن يلهم محبيه وذويه وأنجاله الكرام ... الصبر  والسلوا ن ..

 

إنا لله وإنا إليه راجعون