الكارثة
4-4
المحور الرابع
كيف
نفهم مشروع الشرق الأوســـط الكبير ؟
وكيف
نقرأ مستقبل العراق القريب ؟
(89)
في المحور التالي سنتناول
بإذن الله تعالى ، بشىء من التحليل الموضوعي الموثق ، مستقبل العراق .. والشرق
الأوسط الكبير ، وفقا للتصورات التالية :
ماذا يعني مشروع الشرق
الأوسط الكبير ؟
وكيف نقرأ حاضر العراق
اليوم ، ونستشف مستقبله القريب؟
ما هي رؤية الواقع ، وماذا
يحمل الغد القريب من مفآجآت وتحولات غير منظورة؟
هل سيحدث التغيير الشامل
على مستوى المنطقة العربية ككل أم سيحدث فقط على بعض أجزائها ؟
ثم
كيف نتصور الاصلاحات الجديدة للشرق الأوسط
الكبير؟
وهل هي ضرورة عربية شعبية
.. أم شراكة أنجلو أمريكية صهيونية ملحة ؟
لماذا طرحت أمريكا مشروع
التغيير والتحديث على مستوى المنطقة الواسعة ولماذا لجأت إلى الشراكة مع الدول
الأوروبية ؟
هل المشروع لمصلحة المنطقة
، أم لمهمات وسياسات أمريكية أوروبية صهيونية مستقبلية ؟
ماذا تستهدف تسمية الشرق
الأوسط الموسع ؟ ولماذا أقحمت أمريكا القوى الأوروبية في مجموعة الثمانية معها في
هذا المشروع ؟
ثم.....
لماذا حشرت القوى غير
العربية في ترسيم وجود العرب سياسيا واقتصاديا ؟
وفي النهاية ....
لماذا جاء التغيير والاصلاح
الآن ، كمطلب ملح وعاجل من الولايات المتحدة وأوروبا؟ .
هل جاء كما تزعم أمريكا
لمواجهة استبداد الحكام في المنطقة ....؟
أم لمواجهة ما يسمى
بالارهاب ؟، والذي ولد بالتأكيد الجازم من عباءة الاستبداد التي كانت محمية من الولايات
المتحدة الأمريكية .. أم انبثقت من نظرية الاستئصال الأمني التي كانت تحث عليه
أمريكا ، حكومات الدول العربية ضد أبنائها؟
كيف اكتشفت أمريكا هذا
الخطأ مؤخرا ؟
لماذا ..؟ لماذا ..؟ لماذا
..؟
وكيف ..؟
تساؤلات عديدة مهمة وضرورية
، وملحة في الواقع ، تظل مطروحة بحثا عن اجابات موضوعية وصحيحة .
(90)
في خضم السعي الحثيث ،
باتجاه التغيير والاصلاح والتحديث خرجت الولايات المتحدة الأمريكية ، بعد
استيلائها على العراق وسقوط نظام الرئيس السابق صدام حسين خرجت بمشروعها الجديد ،
لماذا ؟
إذن فماذا يقصد بذلك
المشروع ؟
وتبعا لذلك ..
كيف نقرأ مستقبل المنطقة
وكيف نستشف مستقبل العراق القريب ؟ كيف .؟
سؤال محوري للغاية
بداية نستطيع التقرير بأن (
عصر الاستقرار كما يرى البعض قد انتهى) وانفتح الباب واسعا ، أمام مفآجأة التغيير
والاصلاح والتحديث والدمقرطة ، واستبدال خارطة المنطقة بخارطة جديدة هي أشبه ببديل
فاصل لا يمت إلى الماضي بأية صلة إلا بمسميات ، والمسميات فقط .
وهذا يجرنا إلى وجه
المقارنة بين مسمى الشرق الأوسط الكبير ومستقبل العراق الجديد .
مشروع الشرق الأوسط كما
أراده مخترعوه ، أو مقدموه مشروع خطير له أبعاد وله أهداف ، وله مصالح وله مقاييس
، واعتبارات بعيدة المدى ، لا كراهة لأمريكا في الحكام المتربعين على سدة الحكم
اليوم ، ولا حبها للشعوب التي تعاني من ويلات التخلف والاستبداد والبطالة والفقر ،
التي فرضها الحكام وعمقتها التجربة وصقلها الواقع الأليم عليهم.
(91)
وبرغم رفض بعض الحكام لهذا
المشروع بأسلوب ناعم ، ورفضه من قبل النخبة السياسية والمثقفة في المنطقة ، إلا أن
الولايات المتحدة طرحت مشروعها في بداية الأمر عنيفا ومفاجئا ،في مواجهة الفراغ
الكبير في المنطقة ، ثم استطاعت تمريره ناعما بالتأني والمرونة والتدرج في مواجهة
ردود الأفعال الرسمية والشعبية ، مستخدمة ما أسماه البعض ، الضغوط الناعمة ، وصولا للأهداف المستترة وراء هذا المشروع
الخطير من زاوية ، والمفيد من زوايا أخرى .
لقد وضع المحافظون الجدد
هذا المشروع لاعادة رسم الخارطة الاقليمية للشرق الأوسط ، وفق معايير ومقاسات يكون لاسرائيل فيه وضع محوري ، ووجود مركزي
وأساسي ، بكافة الاتجاهات والاهداف السياسية ، والأمنية ، غير أن فائدة المشروع
تتجلى في توجه صناع القرار إلى الأخذ بأيدي كافة أقطار المنطقة ، إلى مزيد من
التحديث والاصلاحات الاقتصادية والاجتماعية الشاملة ، وهذا هو وجه المعادلة
المقبول .
(92)
فماذا يراد ب.. ( مشروع
الشرق الأوسط الكبير ؟ )
يمكن القول مباشرة أن ما
يسمى بمشروع الشرق الأوسط الكبير يراد به أقطار العالم العربي وباكستان وأفغانستان
وإيران وتركيا وإسرائيل ، فضلا عن رديفه الذي عرف بما يسمى بمشروع الشرق الأوسط الموسع
وهو كما ترى مشروعا سياسيا مكملا لمشروع الشرق الأوسط الكبير له أهدافه وله مقاصده
الواضحة من جهة ، والغامضة من الجهة
الأخرى .
(93)
ومع ذلك يرى البعض( أن
إدارة بوش نقلت مؤخرا تفاصيل شراكة الشرق الأوسط الكبير إلى شركائها في مجموعة
الثمانية حتى تأمل واشنطن أن تحظى بالموافقة على هذه التفاصيل في قمة المجموعة
التي عقدت في ايار عام 2004 في سي ايلاند في جورجيا .
ويضيف روبرت ستالوف مدير
التخطيط السياسي والاستراتيجي في معهد واشنطن أن شراكة الشرق الأوسط الكبير وهي
عنصر جوهري ، في مبادرة المشروع التي تقدمت به الادارة هي مبادرة تشتمل على عناصر
أمنية وسياسية اضافية ، وراء تلك المحددة ، في مشروع الشراكة ) إلى أن يقول :
( وإذا ما كانت هذه الوثيقة
ذات الصفحات الثمانية حقيقة ، وهو أمر لا يجادل فيه ، أي مسئول في الادارة فإن ما
يدعى ب .. " استراتيجية الحرية
التقدمية " من المرجح أن يبقى وهما ) .
ويضيف ستالوف في معرض
تحليله للمشروع ( أن المشروع بمجمله يعاني من مشكلتين رئيسيتين :
أولا : تؤكد الكثير من
مبادرته على الشكل أكثر من المضمون .
ثانيا : القليل جدا من
المشاريع المخصصة " للتطوير الانساني " تواجه بشكل عملي العقبات الرئيسية
، لحل المشاكل النظامية ..وبالتالي فإن مشاريع كهذه ، سيكون لها تأثير ضعيف ، على
العلل الحقيقية في المجتمعات العربية. )
هذه الشهادة ، أدلى بها
باحث استراتيجي من معهد واشنطن تعبر في الواقع ، عن مجموعة من الحقائق الغائبة :
1. أن
المشروع سياسي أكثر من كونه اجتماعي وثقافي
2. أن الدعم الاقتصادي فيه لا يبدو مغريا
للأطراف ، التي تزعم الادارة أنها ستساعدهم .
3. الظاهر أن الاهتمام بالشكل وليس بالمضمون
(94)
وعلى عكس ما يرى ستالوف أرى
أن المضمون والأهداف الخفية أكثر من ظاهرة الشكل .
ومع ذلك أرى أن التقرير مهم
ومفصل ولكني لا أرى حاجة إلى الاسترسال فيه ، وفضلا عن كونه عبر بصدق عن تصوره
لطبيعة المشروع وفلسفته وشكله متجاوزا أهدافه ومقاصده بذكاء ، لكنه حلل قصورات هذا
الموضوع ، بالحرية والمعرفة والاهتمام بحقوق
المرأة .
مؤكدا أن ما اطلع عليه من
دراسات " أن الصراع العربي الاسرائيلي باعتباره السبب الرئيسي في القصورات
السابقة التي تسمم مناخ الحرية والتعليم العربي في بيئة ما بعد 11 سبتمبر "
ويقول روبرت ستالوف وأنا
أبرز هذا الموضوع لسببين :
الأول أنه مهم والثاني أن
توضيحا لاحقا من قبلنا سيأتي "يبدو أن خطة مجموعة الثمانية قد وضعوا جميع
سكان الشرق الأوسط الكبير من مقاس واحد تناسب كل التركيبة السكانية . "
مضيفا :" في حين أن
الحقيقة بالطبع هي أن سكان الدول العربية ليسوا كلهم عربا ."
(95)
وعلى هذا الأساس فإن مشروع
الشرق الأوسط الكبير يتمحور باتجاهين :
الاعلان السياسي
و ... خطة العمل
وهذه الخطة التي تبعتها
الولايات المتحدة لها مساران :
أحدهما يخاطب الحكومات
وتمارس فيه نوع من الضغط الناعم والثاني يخاطب الرأي العام في دول المنطقة لاقامة
جسر من التواصل كي يصبح هذا القطاع الجماهيري عنصرا ضاغطا نشطا على الحكومات .
وبذلك تصبح الحكومات أنظمة
مضغوطة على حد قول البعض .
ولا شك أن الولايات المتحدة
قد حققت تقدما أكيدا في هذا الاتجاه إذ انقسم الرأي العام حينها إلى قسمين :
قسم يؤيد المشروع من زاوية أن الاصلاح والتغيير مطلوبان لذاتهما بصرف النظر عن أهداف
الولايات المتحدة الخفية.
وقسم آخر يرفضه حيث يرى أن الولايات المتحدة " قد خطفت مشروع الاصلاح من أيدي
النخبة العربية " التي وجدت نفسها عاجزة ، أمام هذا المد المتعاظم للولايات
المتحدة ، التي خطفت الأماني والآمال النخبوية كهدف نبيل بليل شديد الظلمة .
(96)
السؤال الآن ..لماذا عارضت
بعض القوى العربية هذا المشروع ، ولماذا صمت بعضها الآخر ...سؤال مطروح ؟
كانت الولايات المتحدة قد
طرحت في بداية مشروعها لغة حادة وعنيفة لتقديم المشروع ، حيث أكدت أن الولايات
المتحدة قد اكتشفت بعد عقد من الزمان أنها قد أخطأت في التأني لمواجهة استبداد
الحكام ، وتسلطهم ، ولذلك عقدت العزم على إحداث تغيير ملح وعاجل كي يحدث في الشرق
الأوسط الكبير لمواجهة هذه الأنظمة المستبدة ومحو نظرية الاستئصال الأمني من
ممارسات الأنظمة والحكومات ضد أبنائها وبالتالي فإن التغاضي عن ذلك يدفع شعوب
المنطقة إلى ما يسمى بالارهاب عندهم ، وبالتطرف والغلو عندنا .
وهذا ما حدا ببعض الأنظمة
العربية أن تهب هبة رجل واحد في مواجهة هذا الزعم والمد الأمريكي العنيف ، الذي
ربط التغيير والاصلاح بالاستبداد والاستئصال ، وهو ما أدى إلى انقسام الدول
العربية إلى قسمين :
قسم معارض لا للاصلاح ، ولكن للأسلوب العنيف والحاد الذي استخدم كوسيلة لتسويق الاصلاح .
وقسم آخر صامت كصمت القبور لا حول له ولا قوة في مواجهة هذا المد والقطب الواحد .
(97)
ولهذا سادت في المنطقة
العربية موجة من التحرك الشعبي النخبوي في تأجيج هذا المد بين زعيمة القطب الواحد
والأنظمة الحاكمة في المنطقة
مما أدى إلى ...
تراجع حدة الطرح الأمريكي
إلى طبيعة التأني والتدرج والمرونة في استخدام أدوات المشروع ، لذلك واجهت بعض
الدول العربية هذا المشروع باندفاعاته الأولى باتجاه التغيير..
وكانت ترى..
أن التغيير والاصلاح ينبغي
أن ينبعان من داخل الأقطار العربية ذاتها وليس من خارجها ، وأن لكل دولة ، ظروفها
وتطورها ومناخها الخاص ، بل إن البعض فيها ذهب إلى التأكيد بأن عمليتي التغيير
والاصلاح المنشودتين من قبل الولايات المتحدة " هو قفز إلى المجهول " .
وكان على رأس هذا الاتجاه
كل من مصر والسعودية وسوريا والجامعة العربية .
ومع استمرار المشاورات
والحوار على أعمدة الصحف ومنابر الرأي العام بين الولايات المتحدة من جهة وبعض
الأنظمة وأجهزة الاعلام الرسمية والشعبية أخذت الولايات المتحدة بهذا الاتجاه
المتدرج الناعم ، وأعادت النظر في مشروعها الحاد الداعي إلى التغيير السلمي بأسلوب
ناعم ، متدرج ومرن ، وهذا ما أعطاه دفعة قوية في التمدد والانتشار والاستمرار ، في
حين أن الدول الصامتة قد ابتلعت " الغصة " في حلقها وقبلت المشروع في
صمت وحياء وخوف وقهر .
ولهذا السبب عقدت مؤتمرات
كثيرة في الدول الصامتة والناطقة على السواء لمناقشة هذا الموضوع بالتعاون مع
الشراكة الأمريكية والأوربية قبل عقد مؤتمر مجموعة الثمانية في سيايلاند في مايو
2004 وبعده ...
حيث عقدت ندوات ومؤتمرات في
كل من :
مكتبة الاسكندرية
مؤتمر الرباط
مؤتمر صنعاء
مؤتمر دبي
وقد أثرت مناقشات تلك المنتديات
وتوصياته هذا المشروع الأمريكي الهادر ، وأوسعته ...
ضربا
وبحثا
وتدقيقا
وتحليلا
ومعالجة .
وأعتقد أن الولايات المتحدة
قد كسبت الجولة على النطاق الرسمي وثبتت مشروعها ، في المنظور الحالي وعلى مدى
المستقبل البعيد ورمت الكرة " في ملعب النخب العربية ".
(98)
والسؤال الآن ما هي الأهداف
والسياسات المستقبلية لهذا المشروع ؟
ببساطة وتركيز يمكننا تلخيص
السياسات المستهدفة للمشروع بجملة من المحصلات والاستهدافات التالية :
أولا : احلال نظرية ملء الفراغ في مواجهة التخلف
والجمود للأنظمة العربية .
ولذلك تفتقت السياسة
الأنجلو أمريكية عن تذكر استراتيجية أيزنهاور " الرئيس الأمريكي السابق
" كمبدأ من مبادىء ملء الفراغ التي انتهت باحلاله أمريكا كوريث للتركة
الأستعمارية الأوروبية على دول الشرق الأوسط ، حيث زرعت آنذاك بناء على هذا المبدأ
قواعدها وعملائها وأنظمتها في المنطقة وابتكرت منظمات اقليمية واختارت زعماء
تقليديين ، لضرب التوجهات والأماني القومية آنذاك واضعاف دعاة القومية العربية ،
من القوميين العرب باتجاه الدعوة إلى قيام الوحدة العربية أمل الشعوب العربية
وحلمها المتقد الذي لا يهدأ .
ثانيا : تهميش العرب وضرب التطلعات القومية .
ولذلك ..
يرى بعض المحللين أن أمريكا
تحتل العراق نيابة عن إسرائيل كرأس جسر ، للهيمنة على العالم العربي ، عن طريق
الاحتلال العسكري المباشر ، أو من خلال خلق عملاء ، وزرع أنظمة ، عميلة وخائنة
لعروبتها تؤدي إلى تهميش وتهشيم وتحطيم آمال الشعوب العربية وأحلامها بقيام وحدة
تعزز لآمال وتخلق الفرص لتوجهات قومية عربية من أجل تعزيز كيان الأمة باتجاه قيام
وحدتها القومية وكرامتها العربية .
ولذلك ..
تعثرت خطى الشارع العربي
باتجاه نجاح مفهوم الوحدة كمفهوم قومي وكحلم جماهيري لعدة أسباب :
أ- أن الأثرياء العرب يعتبرون
الوحدة القومية تصب في مصلحة الفقراء .
وهذا غبن في المقارنة ،
وخطأ في التحليل ، وزيف في المعادلة من الأساس ... لأن الغنى ليس موجبا للتمسك
بالفرقة ، كما أن الفقر ليس مدعاة للتهميش ، أو سوأة للتمسك بالوحدة ، وكما أن الغنى
وجاهة وقوة ، فإن الفقر في المقابل ثقافة وعلم وذكاء .
ب ـ إن الحكام ربما يخشون على مقاعدهم ،
وفي المقابل فإن المحكومين لا يشترط أن يكونوا منافسين لهم في احتلال تلك المقاعد
.
وكما أن الوحدة قوة متراكمة
ومهابة الجانب للأغنياء والفقراء على السواء ، فأن تقلص نفوذ الأغنياء أو وجاهتهم
أو سلطتهم لن تكون مفقودة أو غائبة في ظل مجتمع الوحدة ، بل على العكس سيزداد
نفوذهم قيمة وستتوهج وجاهتهم نقاء وستحظى سلطتهم باحترام وقدرة ، فضلا عن القوة
والنفوذ المترتبان على ذلك ، وبالتالي فإن محاربة الأثرياء والحكام للوحدة ـ إذا
صح ذلك ـ سيكون من قبيل الاجهاض لحلم كبير هم شركاء فيه وليسوا غرباء عليه.
جـ ـ إن أمل الوحدة لن يتحقق ـ مع الأسف الشديد
ـ إلا إذا حدثت معجزة قدرية ، لانقاذ أمل الجماهير العربية ،
أو إحداث صحوة ضمير قومية وانسانية لدى المتحكمين بزمام الأمر ..
لأن مجتمع الوحدة يتسع
للجميع الفقراء والأغنياء وللحاكم والمحكوم ، وللسعداء والتعساء معا .
ثالثا : الغاء تسمية العالم العربي .
لذلك جاء مشروع مجموعة
الثمانية يستهدف الغاء تسمية العالم العربي المرتبطة بهيمنة العرب الديمغرافية
والثقافية وربطها بهيمنة غير العرب الديمغرافية .
ولذلك كانت تسمية مشروع الشرق
الأوسط الكبيرالتي عدلت فيما بعد إلى تسمية مشروع الشرق الأوسط الموسع تستهدف هذا
الغرض السكاني وتسيطر عليه ، لماذا ... لأن الشراكة الأوربية الأمريكية لا تريد أي
كيان موحد للعرب أو تمدد سكاني على هذه المنطقة وهذا هدف ملح من أهداف سياسة
المشروع وأبعاده .
رابعا : تفتيت نظرية الأمن القومي العربي
..لماذا ؟
ربما لا يراد للعرب إلا
تهميش حضورهم وإذلال إرادتهم ، من تكوين أي علاقة مجتمعة مع التكتلات الكبرى وربما
أيضا يراد لهم أن يكونوا عدة إرادات متفرقة ومتفردة ، وتكوين علاقات قطرية لا
وحدوية ..
بمعنى تمزيقهم كأمة كبرى
تمتلك شروط التوحد والنهوض ، مما يترتب على ذلك جعلهم دولا وجماعات متفرقة ، كل
دولة منفردة بمصالحها الضيقة ومشغولة بأمنها الخاص .
بمعنى مركز .. التأكيد في
الذهنية العربية تجسيد مفهوم أن مصالح الدولة لا تعني مصالح النظام ..الحاكم ،
وأمن النظام الحاكم لا يعني الحفاظ على أمن الوطن والمواطن .
هذا المفهوم هو الذي أدى
إلى اقحام الدول العربية وسط هذا الموج من الدول غير العربية ذات الوجود السياسي
والاقتصادي والبنية الديمغرافية الواسعة والثقافات المختلفة والغالبة .
(99)
وفي اعتقادي أن ما سيحدث
لمشروع الشرق الأوسط الكبير هو ذلك التحول الخطير في ترسيم وجود العرب الديمغرافي
خصوصا والثقافي عموما ، وهو ما يخلف بعدا في النظرة، وتحولا صوب التوسع في
التعطيل، لتحويل العرب من قوة ثقافية متميزة ووجود سياسي واضح ، إلى كيانات
ديمغرافية هزيلة وسياسية عاجزة ، وسط هذا الموج الجمعي من الدول المحيطة بها
وخصوصا غير العربية .
ولذلك ,, من الممكن ، أن
تتحول اسرائيل في المنظور القريب نظرا إلى قوتها الاستراتيجية والاقتصادية إلى
دولة يمكن أن تضغط مثلا مع باكستان الاسلامية ذات الوجود الديمغرافي الواسع أو
تركيا لاستبدال جامعة الدول العربية مثلا بجامعة الشرق الأوسط الكبير المحتمل
انشاؤها ، وهذا الأمر كما يطرح محللون غير مستبعد في الأمد القصير أن تطلب إسرائيل
مثلا ودول أخرى ، في هذا المشروع ، أن يصبح شيمون بيريز أمينا عاما لجامعة الشرق
الأوسط الكبير بدلا من عمرو موسى كأمين عام لجامعة الدول العربية .
وهذا مكمن الخطر وبيت
القصيد ...
وفي النهاية ، فإن المشروع
هو تحليل عملي وديناميكي للشراكة الأمريكية الأوربية ، في مواجهة المشروع الوحدوي
العربي ، الأمل والوهم ، المبدأ والحلم .
(100)
وفي تقديري وبالرغم من هذه
السلبيات والأهداف التدميرية من وجهة النظر النخبوية في العالم العربي على الأقل
فإنه لا يمكن الانكار أن للمشروع ايجابياته ومنافعه ومردوداته ، على سكان المنطقة
في عالم دول المشروع وخصوصا في بعض المجالات الاقتصادية والاجتماعية والدمقرطة
والتحديث ، وربما الثقافية والتنمية الشاملة .
ولكن..
ولكن ..السؤال الخطير الذي
يطرح نفسه هل سيقلص المشروع من أوهام الحكام باتجاه تركيز السلطة واشاعة نظريتي
الاستبداد والاستئصال ؟ سؤال مطروح .
وفي تقديرنا أن المشروع
سيقلص من تطلعات الحكام باتجاه التخفيف من قبضة السلطة الحديدية عند بعض الأنظمة
والنزوع باتجاه الاستبداد .
وبالتالي ..
سيجهض المشروع ما يسمى
بنظرية الاستئصال الأمني سواء رضي هذا الحاكم أو ذاك أو لم يرض ، ولذلك يحدث الآن
في العالم العربي تغييرات واسعة لتعديل القوانين للخروج من العمل بقوانين الطوارىء
إلى الدخول بقوانين ما يسمى بمحاربة الارهاب وعما قريب سيختفي ما يراه البعض شرورا
ونزوعا إلى الاستبداد في العالم العربي .
ولذلك ..
فإما أن يعتدل الحكام في
نظرتهم إلى المواطن لمساعدته على التخلص من نزوعه إلى الهروب باتجاه الغلو والتطرف
وما يسمى بالارهاب والتكيف مع المجتمع ، أو استعدادهم للرحيل من قمة السلطة ومراكز
النفوذ وهذه واحدة ربما يكون الشك فيها قليلا لا كثيرا .
لأن الشراكة الأمريكية
الأوروبية مصممة على التوجه الحثيث تجاه التغيير المنشود للأفضل والأحسن بأقصى
سرعة وقوة .
(101)
إذن والحال كذلك ..
كيف نتصور مستقبل المنطقة
..وكيف نفهم مستقبل العراق الجديد على ضوء ذلك التحليل ؟
كيف يولد العراق الجديد
اليوم ...وما هو مستقبل النموذج المطروح من قبل الولايات المتحدة ؟.
ما هي القوى التي ستحكم
العراق في مستقبله البعيد .؟.وما هي القوى التي ستتساقط في ظلمات الحجب ؟..تساؤلات
عديدة مطروحة .
كانت الولايات المتحدة
الأمريكية ، لا تتوقع قبل الحرب ، على العراق ، أن يتشكل مستقبل المنطقة ، بالصورة
التي جدت على الواقع بعد أحداث 11 سبتمبر ، وبعد القضاء على نظام صدام حسين ،
واحتلال بغداد في التاسع من ابريل سنة
2003 .
الصورة بعد احتلال بغداد
تشكلت ، بغير مبتغاها وهدفها قبل وقوع الغزو على بغداد ، لأن النموذج المطلوب ،
كان غير التشكيل الذي حدث في الواقع. لأن ما حدث في العراق ، كان في الواقع السقوط
في مستنقع الأوحال والرمال المتحركة والانزلاق إلى مأزق الورطة ، التي لا فكاك من
الخروج منها ، مما جعل الولايات المتحدة أمام أحد احتمالين :
إما الانزلاق إلى المأزق .
وإما القفز إلى مستنقع الأوحال .
وكلاهما خطر
** ورطة في التقدير السياسي
.
** ومستنقع لم يكن متوقعا
على شكل مقاومة .
هذان الاحتمالان ، يدفعان
المرء إلى القول بأن ( النموذج ) المحتمل لجعل العراق قبلة الديمقراطية في العالم
العربي قد تضاءل وانكمش إلى حد كبير ، وتحول من النموذج المنشود إلى المأزق
المنظور ، ولذلك أخفق الأمريكان في تبرير ماحدث وفي تقويم ما هو قائم ، وفي تقدير
ما هو محتمل .
وهنا دخل الغزاة الجدد في (
متاهة ) من الصعب تلمس نهايتها أو دائرتها ، في ظل هذا الظلام الدامس الذي فاجأ
القوم في مكمن لم يكن في الحسبان، وفي طريق لم تكن هي الطريق المتوقعة .
لماذا ..؟
لأن الأمريكان كانوا
يتصورون أن الحرب العراقية ، أو ما يسمى حرب تحرير العراق ، ستكون مجرد ( نزهة )
وأن انتصارهم مؤكدا ، باتجاه خلق ( النموذج الفريد) الذي كان متوقعا للديمقراطية
التي كان الأمريكان يحبذان قيامها في منطقة الشرق الأوسط الكبير ...
غير أن ما حدث من نكسة ، أو
ورطة ، أو مستنقع ، أو مأزق ، سمه ما شئت ـ
بدد كل الحسابات والرهانات التي كانت جاهزة ومتصورة ، ومحتملة ومقدرة في
التصور الأمريكي للمنطقة .
(102 )
وفي تقديري ... أن مستقبل
العراق سيكون مرتبطا بمستقبل المنطقة وفق مشروعها الجديد ، ولن يكون العكس . ولهذا
نرى مع كافة المفكرين في المنطقة أن استمرار الوضع المضطرب ، سيخلق أوضاعا مضطربة
، وربما أجهض خطوات الاصلاح المتوقعة ، وخلق بدائل غير مستقرة وغير متوقعة ، في
حين أن استمرار الأوضاع على ما هي عليه ، ربما لا يساعد أمريكا وشركائها ، على
إحداث التغيير الكبير ، الذي تتوخاه .
ولذلك ... أصبح في حكم
التشكيل للواقع الجديد على الأرض ، أن مستقبل العراق الجديد القريب يتحدد في
اتجاهين وفق خطين متوازيين :
الأول : التقسيم
بمعنى تقسيم العراق إلى
دويلات وكيانات طائفية تمحورت اليوم على الشكل التالي ..
شيعية في الجنوب
سنية في الوسط
كردية في الشمال
على نحو متنامي التصعيد ،
ومكثف التشكيل
وهذا مع الأسف الشديد ليس
مبتغانا ولا هدفنا كنخبة عربية أن نعمق مفهوم التقسيم لأن التقسيم على هذا الوضع
المؤسف ليس لمصلحة العراق ، ولا لانبعاثه من جديد وهو مأزق خطير دفعت إليه أمريكا
بقصد تفكيك بنية المجتمع وتمزيق كياناته وقواه القومية والعروبية والاسلامية .
والثاني : الحرب الأهلية
إن تصاعد الاقتتال بين
طوائف المجتمع العراقي باتجاه حرب أهلية لا تبقي ولا تذر إنما تغذيها مصالح قوى
خارجية ، ونعرات قوى داخلية لهما مصلحة بهذا التصاعد وهذه النتائج التي تحدث على
الساحة .
ولذلك ينكر الأمريكان
تعميقهم الخفي لهذه النعرات وإن كانوا يؤكدون على حرصهم على وحدة العراق في
الظاهر، وعدم تمزيق طوائفه ، وهم في الواقع ينشدون هذه الغاية ، وفي المقابل فإن
القوى الداخلية تنفي انجرارها إلى الحرب في حين أنها واقعة في أتون الدفع إلى هذه
الغاية ، وحرصهم على نفي تمزيق وحدة العراق ، وكلا الفريقان ، القوى الخارجية
والقوى الداخلية يغذي ويشعل هذه الحرب باتجاه أهدافه ، وينفيان تورطهما فيها ، إلا
أن الواقع يعكس خلاف هذا النفي .
(103)
السؤال الآن : هل ستتحول
العراق من الدولة ( النموذج ) وفق التصور الأمريكي إلى دولة فاشلة أو هشة وفق
المعيار الأمريكي أيضا .
وفي تقديرنا أنها قد تحولت إلى
نموذج الدولة الهشة ، والدولة الهشة كما يرى الخبراء الأمريكان يمكن أن يتم
احتواؤها وتقديم المساعدات إليها .
بمعنى أنها لم تتحول إلى
الدولة النموذج ، لأن في المخطط الأمريكي أن التعامل مع الدول الهشة يتم بطريقة
ديناميكية ، أي أنها عرضة للتحديث والتغيير طبقا لتغير الظروف .
ولذلك ، نرى أن بادرة الامل
في التغيير إلى الأفضل في المستقبل القريب ربما تتحقق إذا تضافرت الجهود الوطنية
مع المقاومة الصالحة صوب التغيير، بلا تدمير ، فإنه يرجى عندئذ أن يسترد العراق
عافيته ودوره ، ربما قبل رحيل الاحتلال في المستقبل غير المنظور و تتضافر قواه
باتجاه المصالحة الوطنية بعد رحيل الاحتلال، لا قبله . .
ولذلك ستتساقط على الطريق
قوى حزبية قائمة ، وستتعزز قوى أخرى غير منظورة ، وتتشكل على مدى المستقبل البعيد
قوى جديدة من قاع المجتمع ، ستتداعى هذه
القوى بعضها البعض ، وستلد العراق حملها المثقل بدون اجهاض ، باتجاه مستقبل قد
يبدو سعيدا من حاضرها . ربما ... ربما ...
*********