فى العالم الثالث

ألغام موقوتة

الفقر والبطالة والجوع

تجتاح العالم الثالث اليوم موجات من الاحتقان والتململ الداخلى للسكان الذين يعانون من آفات الفقر والبطالة والجوع وغلاء الأسعار .

وهذا التململ الشعبى يتصاعد يوما بعد يوم بسبب تلك الآفات التى ربما يكون للطبيعة أثر فيها وللانسان آثار أخرى ، والفقر كما تعرفه المنظمات الدولية ( أنه الحالة الاقتصادية التى يفتقر فيها الفرد الدخل الكافى للحصول على المستويات الدنيا من الرعاية الصحية والغذاء والتعليم وكل ما يعد من الاحتياجات الضرورية لتأمين مستوى لائق فى الحياة ) .

وفى ذات السياق  : قامت عدة دول بوضع خط للفقر سمته خط الفقر ، فعلى سبيل المثال فى الدول الأوربية ما يقل عن 55 % من دخل المواطنين المتوسطين يعتبر فقيرا ، فى حين أن أمريكا وضعت عددا من الاحتياطات : مثل مساعدة أفراد العائلة واحتياجات الأفراد .

وعلى المستوى العام كثيرا ما يكون الفقر ناتجا عن المستوى المنخفض للتنمية أو للبطالة المنتشرة ، والأفراد الذين لا يملكون القدرة الأقل من المتوسطة للحصول على دخل ـ لأى سبب كان ـ غالبا ما يكونون فقراء .

والتعريف السابق للفقر يحمل بين طياته أحد التعريفات الثلاثة التى يعرف بها الفقراء والتى حددت فى منتدى العالم الثالث 1994 .

وأول هذه التعريفات هو التعريف الموضوعى الذى يركز على كونهم غير القادرين على تحقيق الحد الأدنى من مستوى المعيشة .

أما التعريفان الآخرآن للفقراء فهما :

التعريف الذاتى للفقراء .

التعريف السيسولوجى للفقراء .

الأول يعرف الفقر من وجهة نظر الفقر ذاته أما الثانى فيعرف الفقراء بكونهم ، من يحصلون من المجتمع على مساعدة اجتماعية .

وتشعبت مشاكل الفقر ومسبباته من معدلات بطالة وسوء تغذية ومشردين ولاجئين وأبناء مخيمات وأطفال شوارع ودعارة وقاصرين ، كما ترى الدراسات .

مما جعل مكافحة الفقر أكثر صعوبة .

وقد حذرت الأمم المتحدة من تفاقم مشكلة الفقر فى دول العالم الأشد فقرا ما لم يصبح النمو الاقتصادى فيها فى مقدمات الأولويات وما لم تقدم الدول الغنية منها مساعدات أكثر وما لم تتحقق الشفافية والعدالة ومكافحة الفساد والحكم الرشيد فى الادارة.

وقال مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية  " اونكتاد " إن الذين يعيشون على أقل من دولار يوميا فى 49 من أفقر دول العالم سيزيدون بنسبة 30 % ليصلوا إلى 420 مليونا وهذا أمر خطير للغاية.

وحسب آخر التحليلات ، فإنه " لا يمكن القضاء على الجوع فى العالم ، إلا بالهجوم المباشر على الفقر" .

وعلى ذلك فالقدرة على الحصول على الأرض هى المدخل القوى إلى محاربة الفقر فى الريف ، وفى المدينة لا بد من تعميم المشاريع التجارية الصغيرة والمتوسطة ليلحق جيش العاطلين بهذه المشروعات الدافعة  إلى التنمية وتشغيل جيوش من العاطلين إلى جانب المشروعات الثقيلة العملاقة تجارية كانت أم صناعية .

وهذه وتلك تشكلان حلا مبسطا لمشكلة الفقر ، والبطالة فى العالم الثالث .

أما البطالة وهى مشكلة المشاكل فى العالم الثالث فإنها لغم موقوت فى أى نظام سياسي ، مالم يعمل هذا النظام على إيجاد الحلول المناسبة للتغلب على هذه المشكلة التى كادت تشمل معظم الأنظمة فى العالم الثالث وهى مشكلة مركبة تتطلب حلولا مسئولة عاجلة حتى لا يزيد الاحتقان أو يتعاظم التململ أو يتحول المنكوبون إلى وقود ومشاعل لثورة جياع كاسحة أو عصيان مدنى أو انقلاب عسكرى يتسبب فى اسقاط سلطة أيا كانت صفتها ، والانتقال إلى سلطة أخرى تقفز بالوطن إلى هاوية المجهول.

ويمكن حل هذه المشكلة بالقضاء على الفساد الادارى والتوسع فى التعليم الفنى وربطه بخطة التنمية التى تحتاج إلى مهارات وقدرات يحتاجها المجتمع المتخلف المتعثر بهذه الآفة الخطيرة .

وأما الجوع فهو فضلا عن كونه سلاح أساسي فى الحروب القادمة بين المواطن والسلطة القائمة ، لذلك يرى العارفون " أن الجوع سلاح أخطر من الأسلحة التقليدية وحتى النووية  " ، وهو الوسيلة المتوقعة والمترتبة على تمرد الجياع على سلطتهم القائمة . ولذلك حذر العالم ونبه الباحثون إلى خطورة ثورة الجياع بالأمس واليوم .

وأحسب أن معالجة الفقر والجوع تكمن فى القضاء على أهم أسبابهما وهما الجهل والكسل ، أى بالعلم والنشاط الدائم والدائب .

ومن هنا ترتب على ذلك كله ما يسمى بالهجرة إلى خارج الوطن وهذه الهجرة هى هجرة العقول المستنيرة والأيدى المدربة إلى جهات مجهولة خارج أوطانها حيث النجاح أيسر واثبات الذات أسهل ، والرزق متاح .

وهذا مايترتب عليه الانتقاص من قدرات البناء الداخلى للوطن وهجرة العقول المستنيرة .

غير أن الهجرة الموازية وهى الهجرة الداخلية من القرية إلى المدينة تشكل أكثر خطورة وأكثر عبئا على النظام القائم ، وما لم يوفر النظام القائم فرص العمل وخصوصا العمل الزراعى فى القرية ، والحرف المتعددة فى المدينة ، فإن المشكلة ستتفاقم ، والحلول ستكون أصعب ،"  لأن القرية التى تفقد سكانها تتميز بضيق الرزق وسوء أحوال المعيشة، فيهرب سكانها إلى المدينة أملا فى إيجاد فرصة أحسن للعمل ومستوى أحسن للحياة ، ولكنه فى كثير من الأحوال يبوء بالفشل ، خاصة عندما تزداد الهجرة عن حد معين وتعجز المدينة عن توفير فرص العمل والرزق لهؤلاء المهاجرين " ـ  كما يرى الدكتور ابراهيم جميل بدران ـ فى بحثه العلمى عن المشكلة السكانية التنمية والبحث العلمى .

والعلاج الوحيد لأمراض القرى  على الأجل الطويل ـ كما يرى الكاتب الغربى هول بول هاريسون ـ صاحب كتاب( العالم الثالث غدا ) يتوقف على الأرض . فإذا ما أمكن جعل الأرض صالحة للزراعة والمدينة صالحة للسكنى والمعيشة المناسبة أمكن للقرية وللمدينة أن تؤديان  نفس الدور التى تؤديه كل منهما على حدة فى رفع مستوى المعيشة ، والتغلب على أزمات ومشاكل البطالة والفقر والجوع أيضاَ .

إذن فالتنمية هى الحل الأشمل لكل هذه المشاكل على المدى الطويل ، وقد وصفت التنمية بأنها : زيادة دخل واندفاع فى اتجاة الرفاهية ، حتى لا تتأزم المشكلة وتضيق الحلول بين الحاكم والمحكوم .

وفى النهاية فإن العلماء يرون أن التنمية الأساسية السليمة لابد أن تحدث التغيير فى جذور المجتمع ، حيث أثبتت التجربة أنها لابد أن تبدا فى الريف حيث كثافة السكان . وأن توجه إلى أسس التطور مثل استصلاح الأراضى وتحسين المحاصيل كما ونوعا ، مما يعالج مشاكل الغذاء ودفع الصناعة الصغيرة والمتوسطة والتى تسمى التكنولوجيات المتوسطة .

ومن هنا تبرز إلى الأمام فئات قادرة على الابداع والاختراع وهذه الفئات تقرر فيما بعد خطوات ومراحل التنمية ،

كيف تبدأ ومن أين ؟

**************