الذكرى الخالدة
أصطدمت بها وأنا خارجة
لتوى من إحدى المحلات التجارية فسقطت من يدى بعض حقائبى وساعدتنى على حملها معتذرة
عما بدر منها دون قصد وعندما نظرت لوجها استعدت ذكريات الطفولة والشباب…..نعم انها
سعاد يا الله انا لا اصدق عينى…
لقد ارتسم على ذلك الوجه الرقيق بعض التجاعيد
وعلاه علامات الحزن والأسى برغم ان هذا
الوجه فى الماضى كان من اكثر الوجوه بهجة واشراقا…
صرخت
فى وجهها من فرط سعادتى ..... سعاد حبيبتى
اى رياح تلك التى القت بك فى طريقي اليوم .ألا تتذكرينى!! أنا منى صديقة طفولتك
وصباك، فقالت : عفوا منى أعذرينى اننى لم اتذكرك من الوهلة الاولى فقد كنت شاردة
الذهن قليلا، فقلت : دعك من هذا الكلام يا سعاد لا بد لنا من لقاء طويل...اعطنى
هاتفك الحالى لاحدثك ليلا فلا بد ان اغادرالان لاعطى الدواء لامى المريضه واعد
الطعام لها وتركتها على أمل لقاء قريب... وفى المساء هاتفتها وقلبى يرقص طربا لانى
اخيرا عثرت عليها .
فسعاد
صديقتى الصدوقة افترقت عنها بعد زواجها وسفرها للخارج مع زوجها وانتظرت كثيرا ان
ترسل لى عنوانها لكى اراسلها لكن اخبارها انقطعت عنى منذ ذلك الحين... واخيرا
اجابت نعم من المتحدث.. كيف حالك يا سعاد
انا منى انى ادعوك على الغذاء غدا ان شاء الله فى النادى اريد الحديث معك فى
الهواء الطلق واستعادة ذكريات الماضى.... فأجابتنى
بأنها سعيدة جدا لهذه المصادفة التى جعلتنا نلتقى منذ زمن بعيد وانها فعلا تحتاجنى
بشدة فى هذه الفترة من حياتها .
وفى
اليوم التالى فى النادى التقينا وسألتها عن سر هذا الحزن الدفين الذى يملأ عينيها
ويسيطر على ثنايا هذا الوجه الرقيق؟... شردت بذهنها قليلا ثم أردفت بتنهيدة حارة ....
وقالت منذ زمن طويل لم اجد من يساعدنى على التخلص من البخار المكتوم فى الصدرى....
تعلمين انى احببت زوجى وتخليت عن وظيفتى الجامعية من أجل السفر معه لبناء حياتنا
التى كنت أتخيل انها ستكون سعيدة وكنت قد عاهدت نفسى ان اكون له نعم الزوجة
القنوعة المتفانية فى ارضاء زوجها وحبيبها .
كنت ارى انه ملاكى الحارس وحصنى الذى سوف احتمى
به عندما اشكو من قسوة الحياة والغربة بعيدا عن الأهل والأحباب.. فهو سيكون
بالنسبة لى الأب والزوج والحبيب والأهل.. لكن للأسف بعد اسبوع واحد فقط من زواجنا
فوجئت بان هذا الملاك الرقيق الحنون تحول الى وحش كاسر وقلب كالحجر الصوان .. فهو
يتعمد الاساءة لى والتقليل من شأنى امام جميع الأصدقاء والجيران ولا استطيع
التحاور معه فى اى موضوع الا وانهال على بأفظع الالفاظ وفى كثير من الاحيان ينهال
على بالضرب لمجرد انى لى وجهة نظر تعارض وجهه نظره فهو يرىانه السيد الذى يجب ان
يطاع دون ابداء رأى أو حوار معه وانى الجارية التى يجب ان تعيش تحت قدميه وتحمد
الله ليل نهار انها زوجة الرجل العظيم الذى لا ينشق له غبار.
تحملت
صابرة سوء طباعه واخلاقه خوفا من الرجوع لاهلى وانا مطلقة! لم اشعر يوما من الايام
معه انى انسانه لها احتياجات ورغبات فلقد دفن حبى له فى قلبى وقتل كل المشاعر
بداخلى....ايضا كنت احمل فى احشائى بذرة الأمومة وانتظرت وليدى بفارغ الصبر وقررت
ان أهب له كل الحب والحنان فلا ذنب له بحياتى البائسة مع والده... و اثناء هذه
الاحداث المؤلمة توفى والدى و انا بالغربة مع من لايرحم , وعندما كنت انزل فى
الاجازة لاطمئن على امى كنت اتظاهر امامها انى اسعد مخلوقات الكون , و عند عودتى
مع زوجى القاسى لارض الغربة و العذاب صدمت سيارة طفلتى الوحيدة فقدت على اثرها
الحياة و كانت تلك الحادثة بمثابة القشة التى قصمت ظهر البعير فقدت على اثرها
الرغبة فى الحياه و اصبحت بحالة انهيار عصبى والحسنة الوحيدة لزوجى انه طلقنى فور
حدوث هذا الانهيار لى وتزوج بأخرى .
واخيرا ماتت امى الحبيبة حزنا و كمدا من اجل
ابنتها الوحيدة و ها انا الآن اعيش وحيده لا أهل لا اصحاب لا زوج و لا ابناء , لم
يعد لى سوى الله اشكى له و ادعوه ليل نهار ان يلهمنى الصبر و السلوان ولم استطع ان
اتمالك نفسى فى تلك اللحظة فبكيت من اجل سعاد و اخذتها فى حضنى لعل احضانى تمحوا
عنها بعد ما لقت من شدة و معاناه و قلت لها سعاد حبيبتى اعلمى ان اهل البلاء هم
احباب الله اصبرى و احتسبى و لا تستسلمى للحزن و الحسرة و الالم .
حاولى
التغلب على ذكرياتك المؤلمة بالتقرب الى الله و كثرة الذكر لله عز و جل , شاركى فى
بعض النشاطات الاجتماعية مثل الجمعيات الخاصة برعاية الطفل اليتيم ليكن كل طفل
منهم بمثابة ابنتك رحمها الله. كيف تقولين انك بلا اصحاب الم اقل لك ان الله يحبك
فلقد رتب لنا ميعاد لنلتقى بعد سنوات ... انا اختك و صديقتك لن اتخلى عنك ابدا و
اتمنى ان تقبلى ان تعيشى معى انا و امى المسنة سارتب لك جدول لزيارة الجمعيات
الخيرية فانا من احدىالعضوات الاساسية بها.
فقالت سعاد جزاك الله خيرا يا اخت منى اشكرك يا
حبيبتى.
فقلت لها انا لا اريد سماع كلمات شكر لا بد من العمل
ولنبدأ الان .................
و استمر الحال هكذا بيننا و ما هى الا شهور و رجعت
ابتسامة سعاد مرة اخرى فما اجمل ان نداوى جراحنا بمداواة جراح الاخرين فالمشاركة
الوجدانية بين اصحاب المحن و الابتلاء من احدث الوسائل للعلاج النفسى.
و فى احدى الامسيات كنت اجلس انا و صديقتى سعاد
فسالتنى سؤال عميق جدا قالت لى سعاد ما سر ابتسامتك ووجهك المشرق دائما . فقلت لها
انها الذكريات السعيده التى تملا وجدانى مع زوجى رحمه الله . فلقد توفى بعد معاناه
شديدة مع المرض و لكنى برغم حياتى القصيرة معه الى انى اعتبرها زادى من اجل الاستمرار
فى الحياة.
و احاول دائما التغلب على ذكرياتى المؤلمة الحزينة
باستعادة ذكرياتى السعيده معه فهو بالنسبة لى الذكرى الخالدة.