القاهرة........و فلسفة المكان
ليس بالتجاوز،و التجاوز الشديد،نستطيع ان
نسلم بان عمر عاصمتنا القاهرة الان هو الف عام فقط لا غير؟!
هذه كلمات الكاتب محمد عماره فى كتابه (عندما اصبحت مصر عربية) الذى يصف فيه
مصر فى العصر الفاطمى و يعبر ايضا من خلاله عن فلسفته عن حقيقة عمر عاصمتنا
القاهرة.
اتخذت من عام 1969م عام الاحتفال بالعيد الالفى لبناء و انشاء مدينة القاهرة،الا ان هذا التاريخ الذى
اعتدنا ان نحدد به بدء ميلادها (و هو سنة 969م عندما
امر جوهر الصقلى ببنائها على مساحة مربعة يبلغ طول كل ضلع من اضلاعها 1200 ياردة) و هذه السنيين الالف التى درجنا
الان على اعتبارها عمرا لها، انما هى حقيقة تاريخية لابد و ان
تناقش و خاصة فى مثل هذه المناسبة، و فى هذا المقام بالذات...فاننا يجب ان نعلم ان
اقامة هذا البناء لم يكن بدء ميلاد هذه العاصمة، كما ان الموقع الذى اقامها عليه
جوهر لم يكن اختيار مطلق من جانب هذا القائد الفاطمى الكبير..
فالعاصمة المصرية القديمة
التى بناها (مينا) منف (منفس) قبل ميلاد المسيح بنحو 3400 عام
كان موقعها على الضفة الغربية لنهر النيل و امتد العمران على مر الزمن، و اتسعت
البنايات، و تفرعت الضواحى، و انتشرت من حولها الاثار، و بنيت الاهرامات. و موقع
هذه العاصمة القديمة الان على وجه التحديد مدينة(البدرشين) جنوب الجيزة و على الضفة الغربية لنهر النبل فى
مقابل ضاحية (حلوان).
ثم جاء حين من الدهر اتخذ الغزاة الاجانب، و خاصة الهكسوس، لمصر عاصمة
اخرى غير (منف)، و اصاب هذه المدينة الكثير من الاهمال، وعدت عليها عوادى الايام، و
لكن هذا الموقع و هذا المكان ظل بالنسبة لهذا الوطن القلب و العاصمة التى يمنحها
الناس المحبة و الود و الولاء. ثم جاء الغزاة الرومان على مصر عندما بنى الاسكندر
الاكبر مدينة الاسكندرية و جعلها عاصمة للبلاد فى سنة 332ق.م. و صنعوا فى (منف) ما صنعه الهكسوس قبل ذلك التاريخ
و لكن ظل ولاء الشعب ممنوحا للعاصمة القديمة دائما.
فاذا ما جاء العرب المسلمون الى مصر فاتحين لها و محررين لارضها من
سلطان الرومان فى سنة 639م نجد قائدهم عمرو بن العاص يقيم لهذا الوطن عاصمة جديدة
تحمل اسم (الفسطاط) فى سنة 641م و اذا بهذه المدينة تقام على مقربة من مدينة (مصر) (منف) الفرعونية و الى
الشمال من حصن (بابليون)، الذى يقع هو الاخر الى الشمال الشرقى_عبر النيل_ من مدينة (منف).
حتى اذا جاء الانقلاب السياسى و الفكرى و الحضارى الذى احل سلطان
العباسين مكان سلطان الامويين فى سنة 750م وجدنا الولاية تصبح من نصيب الامير
العباسى (صالح) و الذى بعث اليها نيابة عنه (ابا عون) الذى يقيم لها عاصمة
جديدة غير الفسطاط فى سنة 751م و يسميها (العسكر) ،لانها كانت فى البداية مكانا لجيشه
و شرطته، فاذا موقع العسكر يقع فى الشمال الشرقى من (الفسطاط).
فاذا ما حكم احمد بن طولون مصر من قبل العباسين،ثم مستقلا بها
استقلالا ذاتيا، بل حقيقيا، عن سلطان خلفاء بغداد، نجده ينشئ لها عاصمة جديدة
يسميها (القطائع) فى سنة 870م تفع الى الشمال الشرقى من (العسكر).
فاذا ما جاء جوهر الصقلى ليفتح مصر (اثناء الحكم الفاطمى و فى عهد الحاكم بامر الله)، و ليقيم عاصمة (القاهرة) فى سنة969م فاننا نجد موقع هذه العاصمة الجديدة الى الشمال الشرقى من
مدينة (العسكر). حتى اذا جاء صلاح الدين الايوبى الى مصر ليصبح بعد قليل وزير، ثم
سلطان، يشرع فى بناء القلعة الشهيرة و السور الذى ضم فى احضانه كل العواصم العرية
الاسلامية لمصر منذ الفتح العربى لها حتى هذا الحين
فاننا نستطيع ان نقول، ان قاهرة اليوم انما هى الامتداد الحضارى و
التاريخى والمعمارى،الحى،والمتطور،و ايضا المتحد،لهذه العاصمة الفرعونية القديمة
التى بناها (مينا) باسم (منفيس) فى سنة3400ق.م. ان تاريخ الميلاد الذى احتفلنا بمرور الف عام على
حلوله بالنسبة لمدينتنا هذه انما هو تاريخ
ميلاد تسميتها بهذا الاسم الجديد و الاخاذ(القاهرة) و ليس تاريخ نشأتها...
نوال الرملى