محمد بن عبد الله

صلى الله عليه وسلم

أحببت أن أبدأ في هذا الباب بمن سبقت له الحسنى والمرتبة الأولى ،  في كل الصفات الحميدة ، ورغم التقصير إلا أنني أعتقد يقينا أن دراسة سيرته هي مفتاح لحل كثير من الأمور التي نراها اليوم جاثمة كالجبال على صدورنا .

فهو خير من دعا برفق ودأب لا يكل ولاييأس ولا يمل ، خير من صلى وصام ، خير القادة والدعاة والمصلحين ، أرحم الخلق بالخلق ، أطهر الناس ، وأصبر الناس ، أشجع الخلق وأحكم الخلق النبي الخاتم الذي لا نبي بعده ، مؤسس كيان الأمة  والذي انتشلها من الجهل والعصبية والضياع وحررها من عبادة الأصنام وحرم عليها وأد البنات والزنا والخمر والفجور ورفع الظلم عنها ورد الحقوق لأهلها نبي ساوى بين الناس ...وجعل ميزان التفاضل هو صلاح قلوبهم وليس ألوانهم ولا بشراتهم ولا اموالهم .

نبي جاهد ليلا ونهارا ، وقاتل لأجلنا أمضى حياته يؤسس لنا شريعة ويعلمنا،  حريص علينا رؤوف بنا .... يخاف علينا من عذاب السعير أرسله الله رحمة للجميع : ( وما أرسلنك إلا رحمة للعا لمين) فكان يخفف بالناس وربما أراد ان يطيل في الصلاة فيسمع بكاء الطفل فيخفف ، ولما بكت عنده ابنة زينب رضي الله عنها حملها وهو يصلي بالناس فإذا سجد وضعها وإذا قام رفعها

ويقول : " خير دينكم أيسره "

ويقول:" خذوا من العمل ما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا "

أعفى البشرية برحمة من الله من التكاليف الشاقة , ( ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم)

وما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً

ولما أرسل رسله إلى البلدان ليدعوا  إلى الله قال لهم : ) بشروا ولا تنفروا , ويسروا ولا تعسروا (

يعطي عطاء من لا يخشى الفقر ....سئل قميصه فخلعه وأعطاه من طلبه ...وربط حجرين على بطنه من الجوع في المعركة  .حتى يتأسى به  المجاهدون .

كل خلق نبيل في القرآن فيه ولذلك قالت عائشة رضي الله عنه (صلى الله عليه وسلم) : كان خلقه القرآن.

عاهد المشركين واليهود وهم أشد الناس عداوة له , فما خان ولا نقض الميثاق وحفظ العهد.حتى خانوه فوجدوا منه الحزم والردع الصارم .

هو الطاهر المبارك الذي غسل قلبه فصارأبيضاً نقياً مطهراً , وقد اذهب الله من صدره كل غيظ وحسد وحقد وغل وغش.

يركب الحمار , ويخصف النعل , ويجلس على التراب , ويحلب الشاة , ويقف مع العجوز , ويذهب مع الجارية , ويخالط المساكين , ويضيف الأعراب , ويجالس الفقراء .

الرحيم الودود باهله يدخل عليهم ضحاكاً بساماً , يداعبهم بأرق العبارات ويلاطفهم بأحسن التعامل , يشاركهم الخدمة ويجاذبهم أحلى الحديث .

يقسم الغنائم ويقول لمن اتهمه : " خبت وخسرت فمن يعدل إذا لم أعدل ؟"

أجمل الناس وجهاً وأبهاهم محياً , وأزهرهم جبيناً, رقيق البشرة طيب الرائحة , عرقه كالجمان , وانفاسه كالمسك.

يصافحه الرجل فيجد رائحة آثار الطيب في كفه أياماً عديدة من أثر مصافحته صلى الله عليه وسلم.

من أكثر الناس هيبة ...وروى أسامة بن شريك قال: " أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه حوله كأنما على رؤوسهم الطير ".

".عن ابن شُمَاسَةَ المهَرِيِّ: "وما كان أحدٌ أحب إليَّ من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أجلَّ في عيني منه، وما كنت أطيقُ أن أملأ عيني منهُ إجلالاً له، ولو سئلتُ أن أصفه ما أطقت، لأني لم أكن املأ عيني منه .

أشجع الناس . ووقت الذروة يتقي به أصحابه فما ما فرّ من معركة قط

محمد صلى الله عليه وسلم الذي أحبنا ...وخاف علينا من النار ...يبكي طوال ليله علينا ...ينسانا الناس وقت الهول ...ينسانا الصحب و الأهل ..ينسانا المشايخ والعلماء ...ينسانا الأنبياء ..ويتذكرنا هو ....ويبكي لأجلنا هو ...وتحت العرش يجثو : يارب أمتي ...أمتي

قام ليلة من الليالي يكرر قوله تعالى : ( إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم )

عيناه تذرفان وهو يصلي وبصدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء.

لقد كان أصحابه (صلى الله عليه وسلم) ينظرون إليه على المنبر ودموعه تذرف , ونشيجه يتعالى , ولصدره أزيز, حينها يتحول المسجد إلى بكاء ودموع , كل ينكس رأسه ويترك التعبير لعينه أمام هذا المشهد .

يــا الله ! محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم هكذا باكياً أمام الناس , هكذا تسحّ دموعه وتتساقط على وجنتيه وهو أعرف الناس بالله وأدراهم بالوحي وأعلمهم بالمصير !

في يوم القيامة عندما يجمع الله الأولين والآخرين، في هذا اليوم يتخلى عنا كل الذين نحبهم ( يوم يفر المرء من أخيه * وأمه وأبيه *وصاحبته وبنيه *لكل امرئ منهم يومئذٍ شأن يغنيه )  

يأتي الناس إلى أبي البشر ليشفع لهم فيقولون له: أنت أبونا، وأنت أول من خلقك الله اشفع لنا عند ربك ، ماذا يقول آدم؟ ماذا يقول نوح؟ ماذا يقول إبراهيم؟ ماذا يقول موسى؟ ماذا يقول عيسى؟ علي نبينا وعليهم الصلاة والسلام .

 أتعرف ماذا يقولون؟ كلهم يقولون: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب مثله قط ، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح، اذهبوا إلى إبراهيم، اذهبوا إلى موسى، اذهبوا إلى عيسى، اذهبوا إلى محمدٍ عليه الصلاة والسلام .

فماذا يقول السيد الكريم صلى الله عليه وسلم  هل يقول اذهبوا إلى غيري؟

تقف الشفاعة عنده، فإذا به يقول  بأبي هو وأمي -: أنا لها.. أنا لها.. أنا لها.. فيذهب إلى ربه جل وعلا فيخر ساجداً بين يديه، ولا يحق لأحد أن يقوم هذا المقام إلا هو، فيخر ساجداً ويلهمه الله عز وجل تسابيح وتحاميد ما كان يقولها في الدنيا، ثم يقول الله عز وجل لحبيبه محمدٍ عليه الصلاة والسلام: (يا محمد! ارفع رأسك وسل تُعط واشفع تشفع ) تظنه ماذا يقول؟ هل يطلب النجاة لنفسه؟ هل يطلب النجاة لأولاده وأحبابه فقط؟ يقول: (اللهم أمتي أمتي، اللهم أمتي أمتي، اللهم أمتي أمتي ).

وعندها يتحقق قول الله عز وجل

وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً الفرقان:1-2.

ويروى في السير ....

أنه لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله المدينة أضاء منها كل شيء، فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كل شيء، وقال الصحابة وما نفضنا أيدينا عن التراب وإنا لفي دفنه حتى أنكرنا قلوبنا.

انقطع عن أصحابه بقية يوم الخميس، والجمعة، والسبت، والأحد، وبينما هم في صلاة الفجر من يوم الاثنين وأبو بكر يصلي بالناس لم يفاجئهم إلا ورسول قد كشف ستر حجرة عائشة رضي الله عنها  فنظر إليهم وهم صفوف في الصلاة ثم ابتسم يضحك، فنكص أبو بكر على عقبيه ليصل الصف، وظن أن رسول الله يريد أن يخرج إلى الصلاة.

قال أنس: وهمّ المسلمون أن يفتنوا في صلاتهم فرحا برسول الله ، فأشار إليهم بيده أن أتموا صلاتكم، ثم دخل الحجرة وأرخى الستر، ثم مات ضحى ذلك اليوم الاثنين.  فسبحان من لا يموت

وقد وجد من الموت شدة حتى قالت عائشة رضي الله عنها: لا أكره شدة الموت لأحد أبدا بعد ما رأيت من النبي .

وعن أنس قال: لما ثقل جعل يتغشاه الكرب، فقالت فاطمة رضي الله عنها: واكرب أبتاه! قال لها: (لا كرب على أبيك بعد اليوم)

كان رسول الله يقول وهو صحيح: ((إنه لن يقبض نبي حتى يرى مقعده من الجنة ثم يخير )). قالت: فلما نزل به ورأسه على فخذي غشى عليه ثم أفاق، فأشخص بصره إلى السقف ثم قال: ((اللهم الرفيق الأعلى)). فقلت: إذا لا يختارنا.

وبين يديه ركوة فيها ماء، فجعل يدخل يديه في الماء فيمسح بهما وجهه ويقول: ((لا إله إلا الله، إن للموت سكرات)) ثم نصب يده فجعل يقول (( بل الرفيق الأعلى)) حتى قبض فمالت يده.

عن أنس قال: (لما مات رسول الله قالت فاطمة: يا أبتاه! أجاب ربا دعاه، يا أبتاه! جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه! إلى جبريل ننعاه)

فنظر عمر إلى رسول الله فقال: واغشياه ! ما أشد غشي رسول الله ، ثم قاما، فلما دنوا من الباب قال المغيرة:

يا عمر! مات رسول الله ، فلم يستطع عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو من هو شدة وصلابة تحمل الخبر فقال عمر: كذبت!. إن رسول الله لا يموت حتى يفني الله المنافقين. فخرجا على الناس، وقام عمر يخطب الناس ويتوعد من قال مات بالقتل والقطع، ويقول: والله ما مات رسول الله ، وليبعثه الله فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم.

فلما اختلفوا في موته ذهب سالم بن عبيد إلى الصديق بمنزله وأخبره، وكان الصديق حين صلى الفجر ورأى رسول الله بخير انصرف إلى منزله، فجاء فكشف عن رسول الله فقبّله وكان الصديق أثبت الصحابة فقال:

بأبي أنت وأمي، طبت حيا وميتا، والذي نفسي بيده لا يذيقك الله الموتتين أبدا، ثم خرج وعمر يكلم الناس، فقال:

اجلس يا عمر، فأبى عمر أن يجلس، فلما تكلم أبو بكر جلس عمر، فحمد الله وأثنى عليه، وقال:

 ألا من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت. قال تعالى: إنك ميت وإنهم ميتون ، وقال: وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين .

فنشج الناس يبكون، وقال عمر: والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعرفت أنه الحق، فعقرت حتى ما تقلّني رجلاي، وهويت إلى الأرض، وعرفت حين سمعته تلاها أن رسول الله قد مات.

فلما كان الغد اجتمع الناس في المسجد، فصعد عمر المنبر فتكلم وأبو بكر صامت فقال عمر: كنت أرجو أن يعيش رسول الله حتى يدبرنا، فإن يكن محمدا قد مات فإن الله قد جعل بين أظهركم نورا تهتدون به، يعني القرآن هدى الله به محمدا صلى الله عليه وسلم .

وعن علي رضي الله عنه : (أنه لما غسّل رسول الله ذهب يلتمس منه ما يلتمس من الميت فلم يجد شيئا، فقال: بأبي الطيب! طبت حيا وطبت ميتا). فلما فرغوا من غسله كفنوه في ثلاثة أثواب بيض  ليس فيها قميص ولا عمامة. كما قالت عائشة رضي الله عنها.

قالت عائشة رضي الله عنها: ما علمنا بدفن النبي حتى سمعنا صوت المساحي في جوف ليلة الأربعاء. فلما فرغوا من دفنه قالت فاطمة رضي الله عنها: يا أنس! أطابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله التراب!!. وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: بينما نحن مجتمعون نبكي لم ننم، ورسول الله في بيوتنا، ونحن نتسلى برؤيته على السرير، إذ سمعنا صوت الكرارين في السحر، فصحنا وصاح أهل المسجد، فارتجت المدينة صيحة واحدة، وأذن بلال بالفجر، فلما ذكر أشهد أن محمدا رسول الله بكى وانتحب فزادنا حزنا.

فيا لها من مصيبة ما أصيب المسلمون بمثلها قط، يا لها من مصيبة أظلمت لها المدينة، وأنكرت بعدها القلوب.

فإنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أدخلنا مدخل نبينا، وأوردنا حوضه، واحشرنا معه ، ولا تحرمنا شفاعته .

وعزاؤنا فيه قوله صلى الله عليه وسلم : إذا أراد الله رحمة أمة من عباده قبض نبيها قبلها، فجعله لهافرطا وسلفا بين يديها.