قصة قصيرة بعنوان ...
(القفص
الذهبى)
نشأت فى اسرة بسيطة تتكون من أب موظف مكافح وأم طيبة لم يكن لها حظ
وافر من التعليم , لكنها كانت تملك الأخلاق
الكريمة وثقافة
الفطرة الطيبة, وكنت أنا طفلتهما الوحيدة , وكان أبى يعاملنى بالشدة والحزم وأمى
كانت الزوجة المطيعة القنوعة التى لا ترى الحياة الا بعين أبى فلقد تزوجها وهى على
مشارف العشرين عاما , وكانت حياتنا سعيدة والرضا والقناعة هما أهم سمات حياتنا
البسيطة, ولقد تشكلت شخصيتى كما كانت أمى, كنت اشعر انى فتاة اعيش فى قفص ذهبى
جميل سعيدة
بوجودى به فأنا
دائما مطيعة هادئة لا يشعر أحد بوجودى,اذهب للمدرسة مع أبى وارجع مع أبى, وكنت
انطوائية لا أحب الحديث مع أقرانى ممن هم فى مثل سنى,فحياتى كانت دراسة فقط وتفوق
دائم ,وكنت محل الفخر والاعزاز من والدى لدى
اصدقائه
ومعارفه,وكان هذا الفخر السبب الرئيسى لمأساتى التى بدأت كما سأحكيها لكم ....
فلقد تقدم لى احد ابناء
اصدقاء والدى ووافق أبى , واختلطت المشاعر بداخلى....فلقد كنت سعيدة بحصولى على
الثانوية العامة بتفوق واتمنى دخول الجامعة ,وكنت خائفة لانى اشعر انى طفلة فأنا
لم يكن لى أى علاقة بالجنس الأخر سوى ابى الذى كنت احبه واحترمه وأخاف منه ولا
استطيع أن اتجرأ واتحدث معه أو امزح معه,فكيف يمكننى التعامل مع هذا الوافد الجديد
لحياتى المغلقة...أشعر بأننى احتاج لكثير من الوقت للوصول لهذه المرحلة,وبالطبع
هذه الأفكار كانت حبيسة رأسي الصغير ولم يكن لي خيار سوى الرضوخ لما يراه والدى صوابا
لى.
اشترط
والدى على زوجى ان اكمل تعليمى فاتممت تعليمى الجامعى كطالبة منتسبة بكلية
التجارة, وعندما تزوجت لم يتغير شئ من طبيعتى وشخصيتى كنت دائما انتظر اوامر زوجى
وطلباته وانفذ له كل اوامره باسلوب الطاعة العمياء,لم يكن بينى انا وزوجى حوارات
طويلة فأنا لم اتعود على الاحاديث والحورات الطويلة, ولكنى تعودت على العمل فى صمت
والطاعة العمياء, كنت اذاكر والتحق بالامتحانات فى اخر العام واتفانى فى طاعة زوجى
وتنظيف البيت .
ورغم ذلك كان زوجى دائم
الشجارمعى فهو دائما غير راضى عن اى شئ ودائما يرانى فى صورة طفلة وليس امرأة ناضجة
كما كان يقول لى , وكنت اتحمل ثورات غضبه فى صمت وخاصة انى كنت اقدر له حزنه على
عدم اكتمال حملى وانجاب الطفل الذى يتمناه, خفف عنى نجاحى ما كنت اعانيه مع زوجى
فقد حصلت على بكالوريوس التجارة ووفر لى أبى فرصة عمل رائعة بأحدى الشركات الكبرى,
ومرت خمسة سنوات على زواجى دون حدوث انجاب برغم انى سليمة وزوجى ايضا ولكنها ارادة
الله.
وكان زوجى من عاداته دائما ان يدعو عائلته مع عائلة أعز اصدقائه للغذاء معنا يوم
الجمعة,وكنت أرحب بهم ولا اقصر فى اعداد الطعام الشهى لهم وحسن ضيافتهم ولكنى كنت بطبيعتى قليلة الكلام لا اتكلم الا اذا وجه
لى احد سؤال او كلام اواى مجاملة ويكون ردى مختصرا وموجزا...ولقد كان ذلك سبب آخر
من أسباب عدم رضا زوجى عنى!!؟وبعد انصراف المدعوين انفجر بركان الغضب الأخير من فم
زوجى.
فاخبرنى بكل جفاء وحده انه اتخذ قرار لا رجعة
فيه وعليه ان يبلغنى به: قال:... أنه سيتزوج ويطلقنى لان الزوجة الجديدة لا تريد
شريكة! وانه يرى فيها جميع الأشياء التى كان يتمنى ان تكون بى وهى اللباقة فى
الحديث والثقافة وسعة الأفق وانه قد يئس من تغيرى لما يحب ويرضى وانه يرى انه
يستحق من تفوقنى ذكاء وجمال وصاحبة واجهة اجتماعية وان اليوم هو اخر يوم لى
معه.....
لم انطق بكلمة بعد سماعى هذا الحديث القاسى منه سقطت مغشيا علي وعندما
افقت لم اجد زوجى بالمنزل آلمنى عدم وجوده وتركى هكذا فلملمت حاجياتى وغادرت
المنزل بلا رجعة, ووصلتنى ورقة طلاقى بعد اليوم المشئوم بحوالى اسبوع وعلمت انه
يوم زفاف من كان يحمل لقب زوجى.
تغيبت عن
عملى لمدة شهر بعد اخذى اجازة مرضية ومكثت مع امى المسنة كلانا يتجرع الألم والحزن
على والدى الحبيب الذى لم يفت على وفاته بضع شهور وعلى الزوج الغادر الذى لم يقدر
ألمى وحزنى على والدى ولم يترفق بى وتركنى بكل قسوة وغلظة دون اى ذنب اقترفته
نحوه.
كنت اقضى النهار فى خدمة والدتى والقيام بأعمال المنزل والليل فى
قراءة القرآن والصلاة والدعاء لله رب العباد ان يلهمنى الصبر والسلوان ويجيرنى فى
مصيبتى ويخلفنى خيرا منها, وكنت اسعد بزيارة زملاء العمل لى الذين اشعرونى فى تلك
الفترة بأنى أخت لهم ولست زميلة عمل فقط.
عدت لعملى وقررت ان اتفانى فيه من اجل التخلص من همومى واحزانى لعلى
احقق به النجاح الذى لم اتمكن من تحقيقه فى حياتى الخاصة, وكان زميلى مؤمن من اكثر
الشخصيات التى ساندتنى فى محنتى وخففت عنى مصيبتى, فدائما كان يحدثنى عن مباهج
الحياة وجمالها الذى لا استشعره بسبب انطوائى,ونصحنى بان اهتم بالقراءة والاطلاع
كثيرا وكان يعيرنى الكثير من الكتب ويدعونى لحضور الندوات الثقافية معه هو واخته
منى المطلقة مثلى وكانت اخته نعم الأخت لى.
ولاول
مرة ارى الحياة بمنظور اخر اصبحت على دراية بالصراعات الداخلية فى وطنى
والخارجية,عرفت معنى اخر لوجودى بعيدا عن محيط الاهل والاسرة الصغيرة,وهو اهمية
مشاركتى فى الحياة الاجتماعية العامة................
تغيرت شخصيتى كثيرا اصبحت اجيد الحواروالمناقشات بين الزملاء والاصدقاء الجدد الذين تعرفت عليهم
خلال حضورى الندوات , واصبح لى الكثير من الاهتمامات منها القراءة والاطلاع ايضا
حضور الندوات مع زميلىبالعمل مؤمن واخته منى ومشاركتهم فى النشاطات الاجتماعية
كالتردد على دورالايتام والمسنين وقضاء الوقت معهم فى الاحاديث الطويلة والسؤال عن
احوالهم.
وفى احدى الندوات اخبرتنى منى أخت مؤمن بأن اخيها يبحث عن عروس خاصة
انه ارمل ولديه طفلة تحتاج للحب والرعاية لم تتجاوز الخمس سنوات ولكنه يخشى الرفض
ممن ينوى الارتباط بها لانه أب,فقلت لها ان مؤمن انسان طيب وعلى خلق ومن المؤكدانه
سيجد من تناسب ظروفه وتعينه على حياته, وفى اليوم التالى صارحنى مؤمن برغبته فى
الارتباط بى وحبه الشديد لى وخوفه من رفضى له,فأخبرته بانه انسان طيب وممتاز ولكنى
احتاج بعض الوقت للتفكير قبل اتخاذ اى قرار,عرضت الأمر على أمى فرحبت بمؤمن كثيرا
وقالت انها كانت تشعر بحبه لى وتوقعت طلبه الزواج منى وانها تتمناه زوج لى يعوضنى
عما فاتنى من احزان ولكنها تتمنى ان نعيش معها بعد الزواج حتى نؤنس وحدتها.
صليت صلاة استخارة ونمت على وضوء فرأيت رؤيا ما
انى اسير فى بستان مليئ بالخضرة والزهورالجميلة فاذا بمؤمن يأتى على جواد أبيض
ويحملنى على جواده الذى انطلق بنا .....واستيقظت من نومى على صوت أمى توقظنى
وتخبرنى أن مؤمن على الهاتف ينتظرنى,فنهضت مهرولة لمهاتفته...
قال: صباح الخير.
قلت: صباح النور.
قال: فكرتى.
قلت: نعم.
قال: ايه
قرارك.........
قلت:
موافقة........
قال: حقيقى حقيقى
موافقة..
فسمعت صوت زغرودة
حلوة من أخته منى,وهكذا توالت الأحداث وتم عقد قرانى على مؤمن وعشت معه مع والدتى
وانجبت منه طفلة جميلة وكنت اعامل طفلة مؤمن وطفلتنا معاملة واحدة ولا أفرق بينهما
فى اى شئ وكنت اعتبرهما اجمل زهرتين فى بستان حياتى مع مؤمن وكنت أقارن بينه وزوجى
السابق...................................
مؤمن دائما فخور بى امام اصدقائه واقاربه ويعدد مزاياى امام الناس
ويمدح فى كثيرا ,اما زوجى السابق فكان دائما يشعرنى انى طفلة ساذجة لا تجيد فن
الحديث او الكلام وضيقة الافق محدودة الثقافة,أما مؤمن فكان أول من فتح لى أبواب
الاطلاع وساعدنى حتى تقاربت افكارنا لانه كان يعطينى كتاب يحبه لقراءته ثم يناقشنى
فيه فكان باب الحوار مفتوح بينى وبينه ,بعكس زوجىالسابق الذى لم اكن اجد موضوع
للحوار معه لانه كان دائما يشعرنى بعدم رضاه عن تصرفاتى برغم التفانى فى ارضائه
دون جدوى, حمدت الله كثيرا على نعمه عليا بعد طول حرمان,وترعرعت زهرتى بستان
حياتى, وكنت لهم نعم الأم الحنون والأخت الودودة والصديقة الصدوقة ,وكنت احثهمادائما
على حب والدهما لانه أعظم رجل فى عالم الرجال, وأجمل شئ فى علاقتى بابنتي اننى لم
اجعل بينى وبينهما جسور من الخوف والرهبة ولكن جسر الاحترام بيننا شامخ وواضح كل
الوضوح
فالحوار مفتوح
بيننا دائما وكنت أحث مؤمن على أن يعاملهما نفس المعاملة, فاتسمت الفتاتان بسعة
الأفق واتقنتا فن الحياة الأجتماعية واكتسبتا الكثير من المعارف والأصدقاء الذين
كنانعرفهم تمام المعرفة........................
وكنت حريصة على هذا الاسلوب من التربية
العصرى لتفادى المساوئ التىنشأت عن نشأتى فى قفص ذهبى جميل دون قصد من والدى الطيب
رحمه الله وأمى الحنون,
فلا بد من فتح باب
الحوار بين الاباء والابناء ومد جسرالتواصل الفكرىبين الاجيال المختلفة,
لاننا الان اصبحنا فى عالم الانفتاح الثقافى
,واختلطت الثقافة الغربية مع الثقافة الشرقية مما سبب البلبلة لشباب اليوم فما
ينشأ عليه الابناء من قيم فى محيط الأسر
الملتزمة بالأخلاق والقيم الاصيلة تهدمه الثقافة الخارجية ,لذلك جسور تواصل الفكر
هامة بين الأباء والأبناء من أجل محاولة القضاء على الغزو الثقافى الخارجى,فأسلوب
الأمر والنهى للأبناء والأذعان لأوامر الأباء دون مناقشة أسلوب خاطئ خاصة فى تلك
الحقبة من الزمن,فلا بد أن يكون مع الأبناء مفتاح القفص الذهبى وذلك بعلم ومتابعة
الأباء, فما أجمل ان يعيش المرء فى قفص جميل يحدد تصرفاته ويسمح له بفتح القفص فى
حدود العرف والتقاليد وتلك هى حود الحرية,بمعنى انه لا بد أن نمنح لأولادنا الحرية
مع وجود الحدود والضوابط.
ضئ
القمر☺◘۩