فهرس
ماذا تريد أمريكا ؟ و ماذا نريد
نحن ؟
مستقبليات
مصر والعرب والعالم في منتصف القرن الـ21
العلم والاسطورة منهجان للتغيير الاجتماعي
ماذا لو
غيرنا شكل الصراع ؟
يعيش
البشر منذ زمن بعيد أشكال كثيرة من الصراعات، الصراع بين لون ضد لون ، جنس ضد جنس
، دين ضد دين ، قومية ضد قومية ، حضارة ضد حضارة.
و على مدى
عمر البشر و كلما إذدادوا وعياً و علما ، تغير شكل الصراع ، فكان قديما يمكن أن
يقتل الأنسان أخاه من أجل شئ يريد الحصول عليه، و مع التطور البشرى ، بدأ يتحول
شكل الصراع ليكون بين قبيلة و أخرى ثم بين دولة و أخرى ، أو بين قومية و أخرى ، و
الأن بعد هذا التطور الكبير الذى حدث فى البشرية صار الصراع بين حضارة و أخرى.
ما لفت
انتباهى هو أنه كلما تقدمت البشرية ، تحولت الصراعات لتأخذ شكل الكتل الكبرى وهذا
يعنى فى المقابل إتجاه نحو التوحد.
ثم ماذا
بعد ؟
هناك أحد
إحتمالين على ما أعتقد :
الأول :
أن تستطيع هذة الحضارات المختلفة من حيث الثقافة و التقدم العلمى و الأديان
المختلفة أن تتوحد و تتحول الى شكل أرقى بما يخدم الأنسانية كلها و الشرط هنا هو
قبول الأخر.
الثانى :
أن تستخدم أحدى هذة الحضارات ما لديها من علم متقدم و توجهه نحو إنهاء حضارة أخرى
لأى سبب تراه وجيهاَ.
ترى ماذا
يحدث لو :
ماذا يحدث
لو فكر البشر بشكل أخر؟ نحن بشر فنحن إنسانيون و ضد كل ما يؤذى الأنسان على وجه
الأرض.
ماذا لو
حشدنا طاقاتنا جميعا من أجل خير العالم.
ماذا لو
وجهنا العلم نحو السلم و ليس لأسلحة الدمار.
ماذا لو
وقفنا جميعا ضد الظلم و الأستغلال و ضد الفساد و ضد التفرقة،
ضد الجهل
و الفقر و المرض ، ضد الأنظمة المستبدة فى كل مكان على وجه الأرض.
ماذا لو
اتجهنا نحو العلم و التطور و الحرية لكل البشر.
و ماذا لو
رفضنا العنف و طالبنا بالعدل ، و إمتلئنا بالحب و التسامح و أستطعنا قبول فكرة التخلى
عن الصراع العنصرى و أقتنعنا أن البشر مختلفين بطبيعتهم و أن الأختلاف هو أصل
الأشياء و هو السبيل دائما الى التقدم .
قد يبدو
حلمى هذا بعيدا و لكنى أعتقد أنه سيتحقق يوما ما.
بدأت التعددية الحزبية فى مصر فى مارس 1976 بموافقة رئيس الجمهورية السابق على
تأسيس ثلاثة منابر داخل التنظيم السياسى (الاتحاد الاشتراكى العربى) وذلك من بين
39 طلبا لتأسيس منابر. وتم تبرير هذا القرار بأن المنابر الثلاثة ستمثل التيارات
الرئيسية الثلاثة بالمجتمع وهى اليمين والوسط واليسار, وهي :
n
منبر مصر
العربى الاشتراكى (الوسط) برئاسة ممدوح سالم رئيس الوزراء
n
منبر
الأحرار الاشتراكيين (اليمين) برئاسة مصطفى كامل مراد عضو جماعة الضباط الأحرار.
n
منبر
التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى (اليسار) برئاسة خالد محى الدين عضو مجلس قيادة
ثورة يوليو.
وفى
نوفمبر 1976 أجريت الانتخابات البرلمانية وفاز منبر الوسط بالأغلبية الكاسحة لمجلس
الشعب بينما فاز اليمين باثنى عشر مقعدا ومنبر اليسار بأربعة مقاعد.
وفى يناير 1977 تحولت المنابر إلى أحزاب سياسية مستقلة بقرار من رئيس الجمهورية
أيضاً.
ويبدو أن الرئيس السادات عندما قرر منفرداً
تحويل المنابر إلى أحزاب لم يكن يهدف إلى أكثر من إقامة نوع من التوزيع الوظيفى
الذى يخدم الحزب الحاكم- حزب الوسط- بحيث تصبح وظيفة حزب اليمين هى استكشاف المدى
الممكن للتحول نحو اليمين. ووظيفة حزب اليسار هى أن تجنب الحكومة مسئولية ما قد
يترتب على التحول نحو اليمين من خلل فى البنية الاجتماعية.
ولأن
خلق قنوات المشاركة السياسية الحقيقية لم يكن هو المقصود عند إنشاء تجربة التعددية
فقد بدأت مظاهر التوتر عندما وضحت نية حزب اليسار فى أن يمارس دوره بوصفه حزب
معارضة حقيقية رافضا أن يبقى فى إسار الوظيفة التى أرادتها له سلطة الدولة خاصة
عندما نجح فى اجتذاب عناصر كثيرة من الناصريين والقوميين ولم يستمر حزبا
للماركسيين كما أرادت له الدولة .
توالى بعد ذلك تأسيس أحزاب جديدة حتى بلغ عددها سبعة عشر حزبا.
فقد
تأسس حزب الوفد الجديد عام 1978، وهو إحياء لحزب قديم من بين الأحزاب التى ألغيت
سنة 1953، ويمثل مصالح الطبقات والقوى الاجتماعية التى قامت الثورة بتصفية أملاكها
وثرواتها وخاصة كبار ملاك الأراضى الزراعيين والرأسمالية الكبيرة.
كما تأسس حزب العمل الاشتراكى سنة 1978 بمبادرة
من رئيس الجمهورية الذى أمر 20 من نواب الحزب الحاكم فى البرلمان بالانضمام إليه
ليكتسب شرعية طبقا لقانون الأحزاب لكى يوازن النفوذ المتزايد لحزب اليسار الذى
اتجه إلى المعارضة الجذرية للحكم وسياساته الجديدة نحو الرأسمالية والصلح مع
إسرائيل والارتباط بالولايات المتحدة الأمريكية، وهذا الحزب هو أيضاً إحياء لحزب
قديم الغى سنة 1953 هو حزب مصر الفتاة (أو حزب مصر الاشتراكى).
وفى نفس العام أسس رئيس الجمهورية حزبا جديد هو
الحزب الوطنى الديمقراطى على أنقاض الحزب الحاكم حزب الوسط.
ملاحظات
على تكوين الاحزاب:
- قد انبثقت أغلب الأحزاب السياسية التى شهدتها
التجربة من بدايتها من داخل التنظيم السياسى الواحد.
-
قد جاءت
قيادات هذه الأحزاب الثلاثة من النخبة السياسية لنظام ثورة يوليو 1952 (الضباط الأحرار).
-
كما اتخذت كلها مواقف وسطية من جميع التيارات
والاتجاهات الفكرية والسياسية، فضلا عن التصاقها جميعا بشرعية الانتساب إلى ثورة
يوليو. ولذا فقد حملت برامجها السياسية والاقتصادية الكثير من عوامل التشابه
والاختلاط.
-
افتقرت إلى وجود قوى اجتماعية متجانسة تعبر
عنها، أو أيديولوجية فكرية واضحة تدافع عنها.
-
ولم يكن
حزب العمل الاشتراكى الذى جاء بدوره بقرار من السلطة سنة 1978 أحسن حالا من
الأحزاب السابقة عليه، فقد كان وريثا لحركة مصر الفتاة التى قامت فى الثلاثينيات
بما عرف عنها من طابع شمولى وجمعت الكثير من التيارات المتناقضة اشتراكية وإسلامية
وقومية مصرية.
وتعكس هذه الطريقة فى النشأة والتكوين للأحزاب السياسية حقيقتين:
الأولى
أنها كانت تعبيرا عن الماضى وامتدادًا له، ولم تحمل أى طابع مجدد.
والأخرى
أن تشكيلها جاء بقرار فوقى أى بقرار من السلطة، فافتقدت منذ البداية قواعد
جماهيرية تستند عليها.
ورغم
مرور أكثر من ربع قرن على وجود هذه الأحزاب إلا أنها لم تستطع إعادة تنظيم هياكلها
الداخلية أو تطوير قواعد جماهيرية تتجاوز بها هذا القصور الذى ارتبط بطريقة نشأتها
وتكوينها.
فقد كانت هذه الأحزاب بتشكيلها أقرب إلى التنظيمات الشعبوية أو الجبهوية التى تقوم
على فكرة التوحد، وتتجاهل أى تناقضات أو اختلافات سياسية واجتماعية، وتقوم على
تصور إمكانية تمثيل الحزب وتعبيره عن كافة التيارات والاتجاهات الفكرية والقوى
السياسية والاجتماعية فى آن واحد من اليمين إلى اليسار.
بلغت المفارقة أن الحزب الذى أريد له أن يمثل
اليمين فى بداية التجربة الحزبية سمى باسم حزب الأحرار الاشتراكيين أى أن الاسم
كان ينطوى على تناقض واضح.
وكذلك حزب التجمع الذى جمع كافة التيارات
اليسارية من ماركسية وناصرية وقومية وشخصيات يسارية مستقلة مما جعله أقرب إلى
الجبهة.
أما حزب العمل الاشتراكى فقد ظلت خلفيته
التاريخية لمصر الفتاة محوراً هاما لتوجهاته وممارساته الحالية والتى حملت معها
طابعا شموليا.
ولا يعد الحزب الوطنى الديمقراطى (الحاكم)
استثناء من هذه الظاهرة، فمشكلة الحزب لا ترجع إلى صلته الوثيقة بالسلطة ممثلة فى
مؤسسة الرئاسة، وهى سمة ورثها عن التنظيم السياسى الواحد، بقدر ما ترجع إلى الطابع
البيروقراطى الغالب على الحزب والذى أثر كثيراً على أدائه السياسى، فضلا عن
افتقاده منذ بداية إنشائه إلى الاتجاه الفكرى الواضح حيث أراد الحفاظ على التوجهات
التقليدية لثورة يوليو بوصفها أحد مصادره للشرعية السياسية رغم اتخاذه مواقف عملية
مغايرة منذ تأسيسه حتى الآن. فافتقد بذلك التميز السياسى اللازم وغلبت عليه نزعة
شديدة المحافظة منعته من التبلور كحزب جديد يتفق مع مرحلة التغيير.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ماذا تريد أمريكا ؟ و ماذا نريد نحن ؟
إن رياح التغيير التي تهب الآن عبر آخر منطقة في العالم توجد بها
أنظمة طغيان وهى منطقتنا ، يشعر العرب انهم يواجهون امريكتين احداهما
جديدة مبشرة وهي أمريكا فترة رئاسة بوش الثانية، والأخرى قديمة وهي القوة العظمى
غير النادمة على ما فعلت.
إن الرئيس بوش لم يشرع في تنفيذ هذه المرحلة التي تنطوي على تدخل سافر
وتتبع اساليب شبه استعمارية في علاقات أمريكا مع الشرق الأوسط، من أجل تطبيق الديمقراطية
فيه فقط.
لقد فعل ذلك لأسباب اخرى لها صلة اكبر بالهيمنة الاستراتيجية
والاقتصادية وب “اسرائيل” التي وصل نفوذها وتأثيرها في السياسة الامريكية، عبر
مساعدي بوش من المحافظين الجدد، الى مستويات غير مسبوقة.
وفي الواقع، ان الأساس المنطقي للديمقراطية العربية
يأتي من “اسرائيل” ذاتها ممثلة في شخص اليهودي المتعصب ناتان شارانسكي الذي يقول
بوش عن تفكيره انه “جزء من جيناتي الرئاسية”، وهو التفكير الذي يقول انه ما دامت
الديمقراطيات سلمية بطبيعتها فإن دولا عربية ديمقراطية فقط هي التي ستقبل ب
“اسرائيل”.
نلاحظ أن هناك معسكرين عريضين في العالم العربي هما :
-
المعسكر القديم الذي يضم
الوطنيين والإسلاميين الذين يعطون
الأولوية للمشكلة الخارجية أي
أمريكا الامبريالية و”اسرائيل” .
-
والمعسكر الجديد الذي يضم
القوى الديمقراطية الناشئة التي تلوم
الأنظمة
التي تولت الحكم في فترة ما بعد الاستقلال، ويرى انها
تسببت
بما مارسته من استبداد في جميع المشكلات التي تعاني
منها
المنطقة.
وكلما ألهبت أمريكا الأكثر امبريالية مشاعر
الوطنيين خدم ذلك مصالح الأنظمة التي يبدو عليها أنها تقف في وجه أمريكا، وصعبت
مهمة الديمقراطيين في العمل ضد تلك الأنظمة.
وتغذي هذه الأمريكا المتناقضة التناقض بين
المعسكرين العريضين في العالم العربي.
ويستطيع الجميع ان يروا بعد الذي حدث للعراق ان سوريا أصبحت الآن هدفاً جديداً رئيسياً
لأمريكا الامبريالية.
كما أتاحت “انتفاضة لبنان الديمقراطية” فرصة عظيمة جديدة لإضعاف
النظام البعثي السوري وإسقاطه. وصحيح ان الولايات المتحدة ما بادرت بدعم لبنان إلا
لأسباب استراتيجية خاصة بها. ولكن ذلك لا يقلل من صدقية الحركة التي تمكنت ان تحشد
في تظاهرة واحدة ربع سكان البلاد في ميدان الشهداء ببيروت.
وهل يعجز أي سوري عن إدراك ان ما هب اللبنانيون ضده
هو امتداد ما يتحملونه داخل سوريا الى لبنان؟ وتحديداً، هو قمع نظام كان يوماً ما
ثورياً وفقد شرعيته كما حدث “لجمهوريات الشعب” على الطريقة السوفييتية الذي أقيم
النظام على غرارها، وأصبحت وطنيته لا تعدو كونها اداة خطابية لقمع الديمقراطية.
وبالنسبة لدعاة التجديد العلمانيين والمثقفين الرافضين والناشطين في
مجال حقوق الإنسان فهم يقفون في المقدمة في المطالبة بإنهاء “دولة الاستخبارات”
المدعومة من سوريا في لبنان، ويرفضون احتكار البعثيين للسلطة في سوريا. . ولكن
الاسلاميين في كل مكان سيكونون أول من يستفيد من نجاحهم. وسيحتفظ حزب الله دون شك
بمكانة ما في النظام الطائفي اللبناني.
وقد انضم الاخوان المسلمون في مصر الآن الى التظاهرات المؤيدة
للديمقراطية باعتبارهم القوة المعارضة الأكثر شعبية والافضل تنظيماً في البلاد.
واما نظراؤهم في سوريا الذين يعانون من قمع شديد،
فقد أحسوا بدنو الفرصة وأبلغوا البعثيين رسالة مفادها: بوجود أمريكا على الباب
عليكم إما أن تدعو الى مؤتمر وطني تشترك فيه جميع الأحزاب السياسية يقيم جمهورية
ديمقراطية وإما أن تواجهوا دماركم وربما
لا سمح الله دمار سوريا ايضاً.
ان جزيرة عربية ديمقراطية من هذا القبيل ستشكل
سريعاً تحدياً للجزيرة العربية الحالية، التي ساندتها امريكا في وقت من الأوقات،
بشعارات مثل “تحرير القدس عن طريق تحرير القاهرة”. وسيدرك الأمريكيون
و”الإسرائيليون” قريباً ما قاله معلق “إسرائيلي” مخالف لشارانسكي حين اعترف بأن
“عداء العرب” ل “إسرائيل” لم تكن له أي علاقة بافتقارهم للديمقراطية بل بحقيقة أن
“إسرائيل”، في تعاملها مع الفلسطينيين، أبعد ما تكون عن الديمقراطية.
مستقبليات مصر والعرب والعالم في منتصف القرن الـ21
مؤلف هذا الكتاب هو الدكتور جلال أمين الخبير الاقتصادي المصري
المعروف والذي أصدر من قبل العديد من المؤلفات منها الاقتصاد والسياسة والمجتمع في
عصر الانفتاح، المثقفون العرب وإسرائيل، عصر التشهير بالعرب والمسلمين. وفي كتابه
الجديد يتناول المؤلف واحدة من أهم القضايا التي تؤرق العقل البشري ألا وهي القلق
الدائم بشأن المستقبل ومحاولة التنبؤ به.
وقد كان التنبؤ الذي أورده الكاتب منصباً على مجال تخصصه ألا
وهو الاقتصاد وما يرتبط به من تغيرات سياسية واجتماعية. وبداية يشير المؤلف إلى ما
يسميه محاذير لكل من يحاول أن يقوم بهذا العمل ألا وهو التنبؤ أو محاولة استشراف
ما قد يحدث في المستقبل بشأن أحداث بعينها. وأول هذه المحاذير التي يحددها هي ألا
يعتقد الإنسان أن الأمور من الممكن أن تتغير بين يوم وليلة متخذا مثالا على ذلك
بالقمم العربية التي يتم عقدها بين الحين والآخر وينتظر الناس منها الكثير في
الوقت الذي لم يحدث أي تغيير يذكر في حال الدول العربية يمكن أن ينبيء عن تغير في
موقفها من القضايا المختلفة.
وهنا يتطرق الكاتب إلى قضية التخطيط موضحاً أن من لم يخطط
لنفسه فسيأتي بالضرورة من يخطط له كما هو حال الدول العربية التي أصبحت تابعة
للغرب بكل ما فيه من تقدم علمي وتكنولوجي. فالدول العربية على هذا الأساس من الصعب
أن ترى أي مستقبل سوى هذا الذي يراه الغرب لأنه هو الذي يقوم بدور القيادة وهنا
ينتقد في الوقت نفسه الدعوات التي قد تصدر عن البعض بعدم أهمية التخطيط وأنه من
الأفضل ترك الأمور هكذا تسير في طريقها أصبح التخطيط فيه جزءا لا يتجزأ من أي عمل
يقوم به الغرب في شركاته بل وفي سياسته.
وهنا يعرض المؤلف للخلاف بين التخطيط في كل من الدول العربية
والغرب، فهو إن وجد عند الدول العربية لا يتم الالتزام به أو تنفيذه فيصبح كأن لم
يكن بينما العكس تماما يحدث في الغرب. ومن المحاذير الأخرى التي أوردها الكاتب الاعتقاد
بالقدرة الكاملة على تشكيل المستقبل، فالمستقبل لا يمكن تخيله، طريق مفتوح دون
عقبات وفي الوقت ذاته الذي يجب على الإنسان عدم الاستسلام لإغراء الانغماس في
ذكريات الماضي.
كما أنه لا يجب الاستسلام للاعتقاد الكسول بأن المستقبل سيكون بالضرورة
مجرد امتداد للحاضر أو للاتجاهات التي سادت في الماضي القريب ولكن يجب دائما توقع
المفاجآت، وهنا يتساءل المؤلف وما فائدة هذا التحذير مادام الأمر لا يخلو من
المفاجآت ويصعب التنبؤ به؟. ويجيب بأن المفاجآت لا تظهر إلا لمن ينظر للأمور نظرة
سطحية، ولكن إذا ما أراد الإنسان التنبؤ بما قد يحدث في المستقبل فلا بد له من
النظر إلى جوهر الأحداث سواء في الماضي أو الحاضر.
ومن المحاذير الأخرى التي أوردها المؤلف، خطر الاعتقاد بأن
الفترة الزمنية التي قد تستغرقها ظاهرة ما في المستقبل ستكون بالضرورة مشابهة
للفترة التي استغرقتها ظاهرة مماثلة في الماضي، ذلك أنه مع استمرار التقدم العلمي
والتكنولوجي لا بد وأن تتطور الأحداث وتتسارع بدرجة ملائمة.
ومن المخاطر الأخرى التي يمكن أن يقع فيها الإنسان عند
استشرافه للمستقبل الارتكان إلى الاعتقاد بأن التقدم الإنساني هو قانون مطرد باستمرار،
وأن هذا الأمر يمتد إلى جميع جوانب الحياة ولكن لكي ينجح الإنسان في أمر من الأمور
لا بد وأن يكون ذلك على حساب الجوانب الأخرى لحياته، ومن الأمثلة التي ساقها
المؤلف على هذا الأمر التقدم العلمي الهائل في عصرنا هذا والذي سهل الكثير من أمور
الحياة اليومية غير ان هذا يأتي في الوقت الذي أخذ فيه هذا التقدم العلمي
والتكنولوجي في الزحف على باقي جوانب الحياة الاجتماعية والإنسانية وقام بالقضاء
عليها.
ومن الأمثلة الأخرى أيضا تلك الأحداث التي شهدتها الفترة بين
1500 ـ1700 والتي حقق فيها الأوروبيون انتصارات مؤكدة نحو مزيد من التحرر من سلطان
الكنيسة والقيود التي فرضتها على الفكر والتقدم ولكن وبعد ظهور حركة الإصلاح
الديني وجد الأوروبيون أنفسهم خاضعين لسلطان جديد ذي سطوة أكبر وهو سلطان الدولة
المركزية. وبعد كل هذه المحاذير التي قام المؤلف برصدها والتي حاول فيما بعد أن يقوم
باتباعها إذا به يقوم بمحاولة لاستشراف كل من مستقبل مصر والعالم العربي والعالم
ككل.
وعن مستقبل مصر على الصعيدين الداخلي والخارجي يبدأ المؤلف
بتناول بعض المشكلات التي يرى البعض أنها قد تمثل تحديات المستقبل بالنسبة
للمصريين ومنها مشكلة الزيادة السكانية والتي يرى المؤلف أنها قد لا تمثل أي مشكلة
في المستقبل بسبب ما سوف يشهده هذا المستقبل من زيادة في الدخل وظهور موارد جديدة
وغير ذلك مما قد يقلص من حجم هذه المشكلة في المستقبل، كما أنه لا يعتقد أن مشكلة
تلوث البيئة خطر أو مصدر للقلق في المستقبل بسبب ما قد يجد من استخدام تقنيات أقل
تلويثا للبيئة.
ولكن ما يعتبر المؤلف أنه سوف يمثل أكبر التحديات هو التحول من
مشكلة الندرة إلى مشكلة الوفرة في المستقبل، أي أنه سيكون الشاغل الأكبر لإنسان
المستقبل هو كيفية قضاء وقت الفراغ وقلة عدد ساعات العمل وعدم جدوى ما يختلقه الإنسان
حاليا من وسائل للترفيه للقضاء على الضجر والملل المتولد عن هذه المشكلة في
المستقبل.
ومن المشاكل الأخرى التي أوردها الكاتب واعتبر أنها قد تمثل
إحدى مشاكل المستقبل ـ مستعينا في ظنه هذا بما يشهده العالم حاليا من أحداث مروعة
تدل على سيادة شريعة الغاب ـ هي استخدام ما قد يصل إليه العقل البشري من علم
ومعرفة لا لخدمة البشرية وإنما للعمل على سحقها ومحو تميزها. والمشكلة الأخرى
والتي نستطيع أن نرى بوادرها من الآن ولسنا مضطرين للانتظار لرؤيتها في المستقبل
هي أسر المجتمع الاستهلاكي للإنسان واستعباده له.
ولكن كل هذه المشاكل التي ذكرها الكاتب يمكن أن تمس الناس من
مختلف بلدان العالم وليس المصري فقط، وهنا يتدارك المؤلف ويعود بالذاكرة إلى سؤال
كان قد سأله من قبل وهو: مصر إلى أين ؟ وقبل أن يجيب المؤلف على هذا السؤال يستعرض
المفاجآت التاريخية التي مرت بها مصر والتي لم يكن لأحد أن يتوقع حدوثها وكان لها
الدور الأكبر في رسم طريق مصر الذي خطته طوال القرنين الماضيين.
فمثلا يشير المؤلف إلى الفترة التي وقعت مصر فيها تحت الاحتلال
الفرنسي وهي الفترة التي كان سيبدو لمن ينظر اليها أنه كان من المستحيل توقع حدوث
التحرر من السيطرة الفرنسية التي كانت تسود علاقة مصر بفرنسا ولكن حدث هذا الأمر
بالفعل وخطت مصر خطوات واسعة في تغيير مسارها آنذاك على يد محمد علي. وقد حدث
الأمر نفسه في منتصف القرن العشرين مع القوات البريطانية المحتلة، فمن كان يتوقع
قيام ثورة مصرية في ظل الأوضاع التي كانت سائدة آنذاك ورحيل القوات المحتلة عن
البلاد.
ويحاول الكاتب إسقاط ما سبق ذكره من أحداث تاريخية على الوضع
الحالي الذي تقبع فيه مصر من مشكلات سياسية واقتصادية وثقافية والتي يرجعها الكاتب
إلى ما يسمى بالعلاقة الخاصة بين مصر والولايات المتحدة الأميركية.
ويرى المؤلف أن تلك العلاقة بين مصر والولايات المتحدة هي التي
تكبل الإرادة المصرية سواء فيما يتعلق بنمط النمو بل حتى في تحديد معدله، أو تحديد
نمط الحياة الاجتماعية السائدة، أو اختيار نهج السياسة الخارجية التي تتبعها
وبالطبع نوع العلاقات التي يمكن أن تنشأ بين مصر وبقية العرب فضلاً عن تحديد موقف
مصر من إسرائيل.
ويحاول الكاتب أن يعرض الحجج التي استند إليها في التنبؤ بعدم
دوام هذه العلاقة في المستقبل وهي في مجملها أمور تنبئ بأن هذه الهيمنة الأميركية
لن تستمر في المستقبل ومنها العوامل الاجتماعية التي تسود المجتمع الأميركي مثل
التفكك الأسري وتدهور مستوى التعليم الذي يحظى به الأميركي المتوسط وازدياد العنف.
ومنها أيضا العوامل الاقتصادية مثل ارتفاع أعباء الإنفاق على الخدمات الصحية
والقانونية والتأمين وأكثر هذه العوامل الاقتصادية عبئا على الاقتصاد الأميركي
ارتفاع معدلات الإنفاق العسكري.
ثم يوضح المؤلف أنه لا يضع كل أمله على تفسخ المجتمع الأميركي
من أجل خلاص مصر من مشكلاتها ولكن الأجدر بالمصريين أن يحاولوا إصلاح حالهم
بأنفسهم بدلا من انتظار سقوط غيرهم.
وعن العرب ومستقبل القومية العربية يبدأ المؤلف بتعريف مصطلح القومية
العربية على أنها حركة سياسية وفكرة تسيطر على الذهن يتبناها البعض وهي في معناها
تشير إلى مجموعة الخصائص التي تشترك فيها تلك الشعوب أو الدول المسماة بالشعوب أو
الدول العربية.
ويوضح المؤلف أن فكرة القومية العربية هي فكرة حديثة نسبيا،
فقد كان حتى وقت قريب «أواخر القرن التاسع عشر» ينظر مواطنو تلك الدول العربية
لأنفسهم على أنهم مسلمون في المقام الأول وتأتي عروبتهم في المرتبة الثانية وكانت
هذه هي الفكرة المسيطرة على ذهن هذه الشعوب، ولم يكن مفهوم القومية العربية قد
تبلور بصورته الحالية. كما أن ازدهار فكرة القومية العربية بل وانكسارها أيضا كانا
دائما مرتبطين ارتباطا وثيقا بالظروف الدولية وعلى الأخص علاقة العرب بالدول
الكبرى مثل تشجيع بريطانيا لهذه الفكرة من اجل القضاء على الإمبراطورية العثمانية
والقضاء عليها.
ويرى المؤلف وبصفته متخصصاً في مجال الاقتصاد أن الأمل الباقي
لإحياء هذه الفكرة هو توحيد مصلحة تلك الشعوب العربية وخاصة المصلحة الاقتصادية في
إطار ما يسميه بالتنمية العربية الشاملة والمتكاملة والمستقلة. ثم يوضح المقصود
بكل كلمة من الكلمات الثلاث التي وصف بها هذه التنمية المنشودة، فمعنى تنمية شاملة
أنها لا تقتصر على الجانب الاقتصادي فقط وإنما تمتد إلى الجانبين الثقافي
والاجتماعي، ومتكاملة أي أنها تقوم على التنسيق بين أهداف ووسائل التنمية في مختلف
الأقطار العربية بحيث لا تتم تنمية قطر عربي على حساب الآخر، ومعنى مستقلة أن هذه
التنمية تتم بإرادة عربية وليس وفقا لأهداف ومصالح أجنبية.
كما امتدت محاولات المؤلف لاستشراف المستقبل
إلى عدة موضوعات أخرى مثل مستقبل العدالة الاجتماعية كمطلب عالمي ومستقبل
الرأسمالية كنظام اقتصادي وأيضا مراحل تطور الفكر الاقتصادي وما يتوقع أن يكون
عليه في المستقبل.
مقدمة كتاب
العلم والأسطورة منهجان للتغيير
الاجتماعى
سامح سعيد عبود
يثار اليوم على الساحة
السياسية عموما جدل حاد حول التنوير،فى ظل التهديد الذى تمثله الحركة الإسلامية فى
منطقتنا لكل ما تم من تحديث وعلمنة خلال المائتى عام الماضية ،مبشرة بالمزيد من
التدهور والتخلف،مهددة وجود كل التيارات الديمقراطية والعلمانية ذاتها وليس اليسار
فحسب.. ذلك لو شاءت لها الظروف أن تصل إلى السلطة إلا أن الحقيقة التى يتحدث عنها
الكتاب، ويرصدها عبر البحث هى: أن التنوير الحقيقى لا يجب أن يتم فقط فى مواجهة
الإسلام السياسى فحسب بقدر ما يجب أن يتم أيضا ،وعلى نفس المستوى من الأهمية فى
مواجهة القوى السياسية الرئيسية فى مجتمعنا "القوميين بتنويعاتهم المختلفة من
أنصار الإقليمية مثل "المصرية" إلى أنصار "العربية"،سواء
أكانوا فى المعارضة أم فى الحكم. والماركسيين اللينينيين بفرقهم المختلفة
"الستالينين والماويين والتروتسكيين"، والليبراليين كما تجلوا فى الواقع
،فى الحكم أو فى المعارضة، والإسلاميين "معتدلين أو متطرفين"، وفى
مواجهة الحركات الاجتماعية والثقافية المختلفة ذلك إن شئنا تحريرا حقيقيا للعقل
الاجتماعى من قيوده ،وإحداث تنوير فعال اجتماعيا.
وما
بين التنوير السلطوى المحافظ الذى يمارسه البعض، ويميل إلى "التوفيقية"
و"التلفيقية"، وبين رفض فكرة التنوير ذاتها باعتبارها مهمة برجوازية
الطابع..تضيع الحقيقة الجوهرية،وهى ضرورة التنوير من أجل أحداث أى تغيير اجتماعى .
ذلك لأن التغيير الاجتماعى ابن ظروف موضوعية مستقلة نسبيا عن أى إرادة أو وعى، بما
فى ذلك وعى وإرادة الطبقة التى من مصلحتها التغيير - إلا إنه أيضا وفى نفس الوقت
من صنع هذه الطبقات والفئات الواعية، بما تريد أن تغيره ،وبالوسائل التى تستطيع
بها هذا التغيير.
ومن هنا فإن فعل التغيير مرهون
بهذا الوعى ، المرهون بدوره بالظروف الاجتماعية ؛ إذ هو مجرد انعكاس لها : فجماهير
هذه الطبقات والفئات لا تتحرك للتغيير وفق الضرورة الكامنة فى الواقع فحسب، ولكنها
تتحرك وفق فكرة ما، مرتبطة فى ذلك بفهمها لنفسها وللعالم الذى تسعى لتغييره، كما
أن هذه الفكرة تنشأ فى ظل ظروف اجتماعية بعينها، ويظل نجاحها مرهونا فحسب بتوافق
هذه الفكرة مع الضرورات الحاكمة للواقع وتغيراته.
كذلك هو
الأمر فى علاقة الإنسان بالطبيعة، حيث استطاع الإنسان تحويل ما فى الطبيعة إلى مالا
حصر له من مواد مصنعة، بل وإحداث شتى التغييرات بها، عبر رحلة طويلة امتدت خلال
تاريخه بأسره، وكان شرط نجاحه دائما هو فهم الضرورات الكامنة فى الطبيعة، والوسائل
التى يمكن أن يحدث بها تأثيره على هذه الأشياء لتتحول إلى ما يريد، وهذا أمر مشروط
بدرجة التطور الاجتماعى التى وصل إليها البشر فى مرحلة تاريخية معينة.. وعبر هذا
التاريخ الطويل تراكمت المعلومات والخبرات عبر ملايين السنين، والتى حصلها الإنسان
عبر الاحتكاك العملى بينه وبين الطبيعة من حوله، وعبر الملاحظة والتجربة وصل إلى
ما وصل إليه من تقدم مذهل فى علاقته بالطبيعة. ومن هنا فإننا إذا أردنا إحداث
تغيير فى المجتمع البشرى - على اعتبار أنه أيضا شئ كأشياء الطبيعة، وإن كان يختلف
عنها فى بعض الخصائص - فإننا لابد أن نفهم الضرورات الكامنة فى طبيعة المجتمع،
والقوانين التى تحكم تغيراته وتحولاته، وهذه هى مهمة العلم الاجتماعى.. ثم تأتى
الخطوة الثانية،وهى اكتساب الطبقات والفئات التقدمية التى من مصلحتها التغيير لهذا
العلم؛ كى تستطيع أن تحقق فكرتها : التحرر من القهر والاستغلال الواقعين عليها من
الطبقات والفئات الرجعية التى تسعى لاستمرار ذلك القهر وذاك الاستغلال، ومن ثم يكون
دورها تشويه الفهم الصحيح للمجتمع.. من خلال علم زائف تصنعه وتروج له.
ولما
كانت الأسطورة من حيث هى أحد أشكال الوعى الاجتماعى تتضمن رؤية معينة وفهما خاصا
للعالم بما فيه المجتمع البشرى ، فإنها تصبح الأساس للعديد من حركات التغيير
الاجتماعى عبر التاريخ البشرى ، ولنفس السبب تتكون حركات اجتماعية تقوم على أساس
فهم علمى للمجتمع ، هو بدوره أحد أشكال الوعى الاجتماعى ، يتضمن رؤية وفهما خاصا
للعالم بما فيه المجتمع البشرى. وقد قامت حركات اشتراكية أسطورية، وحركات اشتراكية
علمية ، وكلتاهما تهدفان للتغيير الاجتماعى ، إلا أن كلا منهما كانت تقوم على أساس
فهمها الخاص للعالم ، ورؤيتها لتغييره ، وقد استخدمتا من أجل ذلك منهجين مختلفين
فى التفكير والتغيير الاجتماعى، يتلاءم كل منهما مع رؤية كل منهما للعالم .
والأسطورة
التى أقصدها هنا ليست فقط الأسطورة القائمة والمستندة على فكرة غيبية ما ، ولكنها
كل بناء فكرى قائم على أساس منهج معين للتفكير ، يتميز بعدد من الخصائص، حتى إن لم
يكن فى بنائها الفكرى أى أفكار غيبية، بل وحتى إن اتخذت موقفا معاديا للغيبية.
ويقف
العلم على الطرف النقيض ، لاستناده أساسا على فهم الواقع بكل أشيائه ومظاهره
وعملياته المستقلة عن أى وعى وبصرف النظر عن أى غيبيات ،على المنهج العلمى فى
التفكير المتميز بعدد من الخصائص التى استقرت عليها الخبرة البشرية.
والإسلام السياسى هو حركة
سياسية للتغيير الاجتماعى تقوم على أساس رؤية معينة للدين والعالم .تستند فى قوتها
بالإضافة إلى ظروف اجتماعية وتاريخية معينة - إلى أن المنهج الفكرى السائد (حتى
بالنسبة للكثير من العلمانيين والماركسيين ) هو منهج أسطورى بكل خصائص هذا المنهج
المناقضة للمنهج العلمى، و من ثم فإن جزءا من مواجهة هذه الحركات يكمن فى تشريح
ونقد المنهج الأسطورى ، ليس فحسب فيما يتعلق بالحركة الإسلامية فحسب إنما فيما
يتعلق بكل الحركات السياسية والاجتماعية التى تسعى إلى تغيير المجتمع البشرى على
غير أساس من العلم.
وتقوم عملية تشريح ونقد خصائص
المنهج الأسطورى على البحث عن الجذور المنهجية والفلسفية داخل الخطابات السياسية
للقوى السياسية المختلفة ، من أين تنطلق هذا الخطابات فى حكمها على الأشياء ؟ وما
هى حدود التغييرات الاجتماعية التى تبشر به ؟
إن أهم
ما يهدف إليه الكتاب لا يمكن اختصاره فى مجرد المواجهة السياسية مع تلك القوى ،
فهو – بالأساس – محاولة لتحرير العقل من قيود المنهج الأسطورى فى التفكير، لتتفتح
لهذا العقل رؤية أخرى تعتمد على منهج آخر.. وهذا شرط جوهرى لفهم العالم على النحو
الصحيح ، ومن ثم اكتساب القدرة الفعلية على تغييره.
وسعيا
لإيضاح الرؤية سالفة الذكر فإنه كان على أن أتناول خصائص المنهج الأسطورى بمقارنتها
بنقائضها من خصائص المنهج العلمى ، وكان ذلك فى تسعة فصول ، بحيث يتناول كل فصل
خصيصة من هذه الخصائص ونقيضتها، المترابطة والمتسلسلة بشكل منطقى، على النحو
التالى : النقدية والنقلية ، استيعاب الآخر و نفى الآخر ،التطور و التجمد
،الموضوعية و الذاتية ،الواقعية و الرومانسية ،التاريخية و اللاتاريخية ،المادية و
المثالية، النسبية و الإطلاقية ،التقدمية و المحافظة.
فى هذا
الكتاب دعوة ضمنية لتأسيس علم اجتماعى و إنسانى جديد قادر على فهم أفضل للواقع
البشرى، وهو الفهم الذى لن يكون إلا بامتزاجه بممارسة هذا التغيير فعلا، كما أنه
لن يكون إلا عبر منهج علمى بكل الخصائص العامة للمنهج العلمى من موضوعية
وواقعية..الخ ..فمن الملاحظ أن العلوم الطبيعية قد تطورت تطورا هائلا بالنسبة
للعلوم الاجتماعية التى لم تتخلص بعد فى الكثير من فروعها ونظرياتها من الخصائص
المناقضة للعلم..
قد مر الكثير من الوقت وأنا
أبحث عن مصطلح مناقض لمصطلح العلم ،حتى اهتديت فى النهاية إلى مصطلح
"الأسطورة" كمجرد اسم لهذا النقيض الذى لا يجب المعانى الأخرى للكلمة
ولذلك لا يجوز الخلط بين المنهج الأسطورى فى التفكير، وما يتم إنتاجه من تراث فنى
وأدبى وفلكلورى استنادا إلى الأسطورة ، فالأسطورة هنا تعنى الأفكار التى يصنعها
العقل البشرى لتفسير وفهم وتغيير الواقع عبر المنهج الأسطورى المناقض للعلم
ومنهجه. ولأن الأساطير السياسية الخيالية هى عالم من المثل والصور المثالية فإنها
تشكل دوما مشروعا للهندسة الاجتماعية ، يحاول من يتبناها أن يتعامل مع المجتمع
البشرى كما يتعامل النجار مع الخشب ، ولما كان النجار لا يتحاور مع الخشب وأدوات
عمله ، فإن "المهندسين" الاجتماعيين يتعاملون مع البشر بنفس مستوى
الاستبداد الذى يتعامل به الصانع مع ما يصنعه ، فضلا عن أنهم يظنون دائما أنهم
يحملون الحل النهائى لكل مشاكل البشرية ، وأن فى أفكارهم تتلخص الحكمة النهائية،
وبالتالى فعلى الجميع أن يخضعوا لهم باعتبارهم غير عارفين لمصلحتهم الحقيقية التى
يعرفها فحسب هؤلاء المهندسون بما يروجون له من أساطير خيالية.
حاولت
أن يشمل هذا الكتاب على تطبيقات عملية لخصائص المنهج الأسطورى : ليس فحسب على
خطابات القوى السياسية المختلفة التى أرى أنها قد لا تختلف كثيرا عن الحركة
الإسلامية فى اتصافها بهذه الخصائص ، وإنما أيضا على ما نمارسه فى حياتنا اليومية
أفرادا وجماعات فى العمل ، والأسرة ، ومعاهد الدرس ، والمنتديات الاجتماعية
والثقافية ، وفى الطرق العامة ، سواء فى سلوكياتنا أو طرق تفكيرنا ، وفى علاقتنا
بأنفسنا وبالآخرين.
وأجزم
أنا نفسى - برغم ترصدى لخصائص المنهج الأسطورى وما تشكله من قيود على العقل - أننى
قد أقع أحيانا فى النقلية ، و أحيانا قد أسلك وأفكر وفق بواعثى الذاتية أو على نحو
مثالى، وهذا وإن كان عيبا من زاوية ما ، إلا أنه عيب شائع للغاية ، فالطريقة التى
نبرمج بها اجتماعيا عبر الأسرة والمدرسة ووسائل الإعلام تجعلنا نفكر ونسلك على هذا
النحو أو ذاك تلقائيا ، ولا ننتبه لما وقعنا فيه من خطأ إلا إذا نبهنا أحد إليه ،
ولكن علينا أن نكون أمناء مع أنفسنا لكى نعترف بهذا الخطأ دون مكابرة أو تعصب.
ومن هنا
فإن لهذا الكتاب أيضا هدفا ضمنيا لم يعلن عنه حتى الآن ، وهذا الهدف هو : محاولة
البحث عن طريقة تحرير
العقل البشرى من قيوده ليس
فحسب فى الحياة السياسية، وإنما فى شتى مجالات الحياة الإنسانية ؛ فيسهل علينا حين
نعرف نوعية القيود التى نرصف فيها أن نكسرها ، وأن نتحرر منها.
وإذا
كان العصاب هو ذلك المرض النفسى الذى يعنى الوهم الذى يسيطر على المريض ، فأنى
ألاحظ ومع تجاوز حدود تعريف المرض النفسى أن الغالبية الساحقة من البشر وعلى مدى
تاريخهم المكتوب عصابيون على نحو ما ، إذ تسيطر على أفكارهم وسلوكياتهم الأوهام :
ففى ظل واقع أقسى من أن يتلاءموا معه وأمنع من أن يغيروه ، وفى ظل ظروف أصعب من أن
يتجاوزوها.. تجدهم يهربون لعالم الوهم الجميل.
ولن
يتحرر البشر من أوهامهم العصابية إلا حين يسيطرون على واقعهم وظروف حياتهم.. إلا
حين يتحررون من القهر والاستغلال والاغتراب. إلا إذا آمنوا بأن البشر هم صانعوا
تاريخهم، وأنهم لقادرين بشرط أن يفهموا الضرورات التى تحكم الواقع.. هذا الفهم
الذى لن يأتى إلا عبر استخدام المنهج العلمى فى البحث والتفكير ، أى : عبر النقد
العلمى لكل من الواقع والفكر، وعلى نحو موضوعى .
وأخيرا فأنى لاحظت عبر تأمل
البحث .أن التمسك بالمنهج العلمى يصلح كفلسفة للحياة فى السلوك الإنسانى وطريقة
التفكير، على المستويين الفردى والجماعى ،تحقق إشباع الاحتياج الإنسانى لمثل هذا
النوع من الفلسفة،الذى سيظل ضروريا مهما تغيرت الأنظمة الاقتصادية
الاجتماعية،لارتباط هذا الاحتياج بالنوع الإنسانى فى حد ذاته. فسيظل البشر إزاء
كل: من الموت والمرض والفشل والرغبات المكبوتة والآمال المحبطة والخوف والجهل
والدهشة ،أسرى نوعهم الحيوانى، اللهم إلا إذا تغيرت هذه الطبيعة.ومن ثم فسيظلون فى
احتياج دائم لفلسفة من فلسفات الحياة تعينهم على المقاومة والتجاوز ليس عبر
الأساطير والأوهام العصابية .وإنما عبر فهم علمى للحياة الإنسانية.
خاتمة الكتاب
كتاب العلم والأسطورة منهجان للتغيير الاجتماعى
سامح
سعيد عبود
هذا الكتاب لم يكن عملا بحثيا يهدف
إلى إثبات خرافية منهج القوى السياسية فى مصر خاصة والعالم العربى عموما فى سبيل
تأسيس حركة سياسية أخرى تستند للمنهج العلمى،وإن كان هذا من نتائج البحث الضمنية
التى لاحظها القارئ، ولذلك لم أتعمد جمع مادة كافية لحصر الخطابات السياسية لتلك
القوى، وهو ما يحتاج لجهد بحثى ضخم لا يتسع له حجم الكتاب وهدفه الأساسى المشار
إليه فى المقدمة.
ولذلك فما تم جمعه من مادة كان بغرض
تحليل الخطاب وعلى نحو سجالى من أجل توضيح خرافية المنهج الفكرى السائد عمليا.فكل مثل
من الأمثلة المذكورة سنجد له ما لا حصر له من الأمثلة المشابهة ،وعند كافة القوى
السياسية والاجتماعية يستوى فى ذلك مفكريها وكتابها ودعائيها ومحرضيها ، كبارا
كانوا أم صغارا.
وسيكون سرد المزيد من الأمثلة هو
مجرد تكرار سيكون مفيد لو كان الغرض من البحث تحرى مدى الخرافية لدى كل حركة
سياسية أو اجتماعية .
فالهدف الأساسى هو المقارنة بين المنهجين العلمى والخرافى تطبيقا على الخطابات
السياسية للقوى السياسية والاجتماعية المختلفة ،وهو ما تم توضيحه عبر الكتاب إلا
أن ما يلفت النظر حقا هو ذلك التشابه الفكرى بين تلك القوى على اختلاف مواقفها
السياسية والاجتماعية والثقافية ،وبرغم ما تعلنه من مناهج فكرية مختلفة.
وهو ما يشير للجذر الاجتماعى/
الثقافى المشترك الذى تفرعت منه الحركات السياسية والاجتماعية فى مصر والعالم
العربى وهو ما تم الإشارة إليه فى متن الكتاب .. الجذر الاجتماعى لكل تلك الحركات
هو الفئات المتعلمة تعليما حديثا، والتى تعمل بالعمل الذهنى عموما ،والمنفصلة عن
الطبقات الأساسية فى المجتمع ،والمسماة بالانتلجينسيا ،وحيث أن مجتمعاتنا لم
تتبلور فيها الطبقات الاجتماعية بعد مما سمح لتلك الفئات بفرصة إدعاء تمثيل إحدى
هذه الطبقات أو بعضها أو كلها والتحدث باسمها.
ومن ثم
ترفع أيديولوجية الهوية أيا كان نوعها قومية أو دينية أو ثقافية أو عنصرية أو
طبقية،ذلك لأن المصلحة المؤكدة لتلك الفئات تتطابق مع ما تزعمه لنفسها من دور
تاريخى فى قيادة من تتحدث باسمهم لحل مشاكلهم، وعلى رأسها الخروج من دائرة التخلف
والتهميش، و الذى لن يكون إلا بدولة قوية على النسق الحديث ،يكونون هم عمادها
الأساسى باعتبارهم الفئات الأكثر اتصالا بحكم تعليمهم الحديث بالحضارة الرأسمالية
الحديثة، ومن ثم القادرين على إدارة أجهزة الدولة الحديثة.
وهم فى إطار هذا الدور وبحكم ما اكتسبوه من تعليم حديث، يبحثون عن أيديولوجيا
تبرره، قد تستند للتراث الدينى رافضة تماما الحضارة الحديثة كما فى حالة التكفير
والهجرة أو منتقية منها ما تراه مناسبا مع هذا التراث، ومتأثرة به فى نفس الوقت
كالإخوان المسلمين،وقد تستند على الحضارة الرأسمالية الحديثة منتقية منها ما يناسب
تحقيق أهدافها كالحركات القومية المتأثرة بالحركات القومية الحديثة التى ظهرت فى
أوربا فى إطار عملية توحيد السوق القومى كالحركة البعثية، وقد تربط تلك الحركات
نفسها بالتراث الدينى و الثقافى المحلى مثل حركة مصر الفتاة أو تتبنى العلمانية
كالوفد. وقد ينتقى بعضها الماركسية اللينينية التى هى نتاج عملية طويلة أدت لتحويل
الماركسية إلى ما يشبه الديانة ،والتى كانت وليدة ظروف اجتماعية مشابه للظروف
الاجتماعية فى بلادنا من حيث التخلف وانقسام المجتمع لقطاعات متقدمة وقطاعات
متخلفة . فقد قاد البلاشفة فى روسيا المتخلفة العمال(القطاع المتقدم)إلى السلطة
بفضل التأييد الفلاحى (القطاع المتخلف) فى مجتمع لم تنضج فيه الظروف الموضوعية
للاشتراكية بعد.
ولذلك فقد
سقطت الثمرة فى يد البيروقراطية التى تشكلت فى النهاية من كتل الانتلجنسيا لتؤدى
مهمة قيادة عملية التقدم والتطوير فى المجتمع السوفيتى بنجاح لاشك فيه حتى
الستينيات من هذا القرن ،وهو ما أدى لتبنى قطاعات من الانتلجينسيا فى البلدان
المتخلفة ومنها مصر لهذه الأيديولوجيا لما حققته من نجاح ساحق فى ثلث المعمورة،
وليس تعبيرا عن انحياز حقيقى للطبقة العاملة كما تفترض الماركسية ، وإن كان هذا لا
يعنى عدم تأثرهم القوى بالتراث الماركسى فى إنحيازاته الطبقية بشكل عام.
كان استيراد أو إنتاج أيديولوجيا ما على نحو نقلى يعنى النفى المطلق و النسبى
لفئات الانتلجينسيا الأخرى التى وقع اختيارها على أو إنتاجها لأيديولوجيات مختلفة،
ومن ثم كان الجمود هو طابع تلك الحركات السياسية النخبوية.
ولأن هذه الحركات انطلقت لتعبر عن ذات جماعية رافضة الذوات الجماعية الأخرى، فأنها
وفى إطار خطابها الفكرى والسياسى استندت لرؤى رومانسية لنفسها باعتبارها تجسيد
للذات الجماعية التى تمثلها، ولهذه الذات نفسها التى تتحدث باسمها ،وقد بلغ
الاندماج فى التمثيل حتى ذاب الممثل والممثل عنه فى كل واحد، فأختفي الواقع
الاجتماعى من خشبه المسرح السياسى لتظهر لنا فحسب نخب الممثلين بصراعاتهم حول
السلطة،ولأنهم أخفوا الواقع المتغير فقد ظهرت لهم الأشياء بلا تاريخ .
كانت تلك الانتلجينسيا ومازالت هى منتج ومستهلك النظريات ،ومن ثم ظل وعيها بالعالم
وعيا نظريا ومثاليا وإن كان فى النهاية تعبير عن ضرورات واقعية حتى ولو كان تعبيرا
مشوها أو مقلوبا،وهو انعكاس للواقع الاجتماعى بصور مختلفة بعضها يقترب من الفهم
الصحيح وبعضها يبتعد عن الفهم الصحيح، ولأن هذا العقل المثالى يقدس النظرية،
ويعتبرها الأسبق فى الوجود عن الواقع، كونها خالقة الواقع، وكونها تشكل قواه
المؤثرة ،وكونها تسبق المعرفة بالواقع وفهمه ،فأنه يعتمد الإيمان بالمطلق والتحدث
باسمه ،ومن ثم فلم تكن تلك الحركات تقدمية بما يكفى لتغييره جذريا.
ليس الهدف من هذا الكتاب التقييم "القيمى" للحركات السياسية، وتحديد
موقعها من الخطأ والصواب،وما عليها من سلبيات وما لها من إيجابيات،وبهدف مدحها
وذمها، لتعارض هذا الهدف مع منهج البحث الذى يفسر الظواهر الاجتماعية بما هو كامن
فى الواقع الاجتماعى من ضرورات مادية مستقلة عن أى وعى أو إرادة، ومن ثم فلا مجال
إلا لتقييم موضوعى من أجل فهم الظاهرة يجد جذورها فى الواقع الاجتماعى وتغيراته.
ربما ما دفع المرء لإنجاز مثل هذا العمل هو أننا أى سكان الأرض نعبر لحظة تاريخية
فارقة قد تمتد لعشرات السنين،وهى لحظة لم تتكرر خلال التاريخ البشرى إلا مرتين.
فالبشر يبدو أنهم على شفى تحول فى نفس درجة التحولات التى شهدوها بعد اكتشاف
الزراعة التقليدية وتدجين الحيوانات،ثم بعد الثورة الصناعية،فما نحن بصدده الآن
ثورة ثالثة فى قوى الإنتاج لابد وأن تتبعها ثورة فى علاقات الإنتاج،وما يستتبع ذلك
من تغير فى شكل التنظيم السياسى للمجتمع البشرى،والوعى الاجتماعى،و الذى سيكون
مختلفا عن ما تحمله نخب الانتلجينسيا الآن من أيديولوجيات، تنتمى للبنية والحضارة
الرأسمالية، والتى يبدوا أنها تذبل مفسحة الطريق لبنية و لحضارة أخرى تقوم على
أساس نظام اجتماعى اقتصادى مختلف،وهو ما يفسر أزمة كل تلك الحركات السياسية
المرتبطة بالبنية الرأسمالية من موقع القبول أو الرفض ،حيث تستدعى تلك التغيرات
السالف ذكرها نشوء حركات سياسية جديدة تعبر عن واقع اجتماعى مختلف.لا يمكن لنا
تلمس ملامحها إلا على سبيل التخمين،ولذلك فلا محل للسؤال عن البديل أو ما
العمل.وخصوصا أنني لست فى موقع يسمح لى بالإجابة ذاتيا أو موضوعيا.
لكن ما يمكن أن أتحدث عنه سيكون على سبيل التوقع والتمنى،و هو يتلخص فى أن
التغيرات السالف ذكرها لابد وأن تؤدى إلى صراعات اجتماعية بين الطبقات والفئات
الرجعية والطبقات والفئات التقدمية ،وإذا كان على أن أحدد موقفى فسيكون الانحياز
للتقدم وقواه ، ومن ثم أرى ضرورة نشوء حركة سياسية أممية تناضل من أجل تحقيق أقصى
درجة ممكنة من الحقوق الإنسانية بما يتجاوز ما نصت عليه إعلانات حقوق الإنسان
العالمية المرتبطة بالبنية الرأسمالية ،يكون هدفها التحسين المستمر لظروف الحياة
الإنسانية لكل البشر على الأرض وبصفتهم بشر لا غير.ولا شك أن نضالا لابد وأن يشتعل
من أجل تسخير العلم والتكنولوجيا من أجل تحسين شروط الحياة لكل البشر ،وهو ما
يتطلب تحريرهما من سيطرة كل من رأس المال والبيروقراطية اللتان تعوقان هذه
الإمكانية.
ويمكن لنا أن نقول أن التوحد الاقتصادى المطرد على مستوى العالم لابد وأن يفرض
تنظيما سياسيا للمجتمع البشرى لابد وأن توجد قوى اجتماعية تناضل من أجل أقصى درجات
مقرطته وعلمنته .ولما كانت المعرفة والمعلومات ستصبح مصدر السلطة فى العصر القادم
فأن صراعا لابد وأن ينشب بين محتكريها ،ومن يسعون لإتاحتها للجميع .
وإذا كان التطور العالمى يفرض حرية انتقال رؤوس الأموال والسلع عبر العالم لما فى
ذلك من تلبية لمصالح الرأسمال العالمى فأن نضالا من قبل قوى العمل لابد وأن ينشب
ليفرض حرية انتقال العمالة عبر العالم، ومن أجل أن يتساوى عائد العمل مع الإنتاجية
عبر العالم.
وفى النهاية فأن معيار الانحياز لدى فى الصراع الطبقى والاجتماعى والسياسى هو إلى
أى مدى يمكن أن نحقق المزيد من الحرية والعدالة الاجتماعية والعقلانية والكفاءة
الاقتصادية والسعادة لكل البشر.
سؤال يطرح نفسه؟...
كثيرا ما يمارس بعضنا
سلوكيات و هو يرفضها بداخله و يعلم انها خاطئه.
سؤال يطرح نفسه ؟
هل من السهل أن نتغير
للأفضل ؟
هل يمكن أن يتغير الأنسان و
تتغير سلوكياته و يتغير تفكيره ؟
يقول البعض أن الشخصية
الأساسية للأنسان تتكون فى نشأته الأولى أو الست سنوات الأولى من عمره ، و بعد ذلك
التغيير يكون قليلاَ.
هل يمكن أن نحدث تغييراَ فى
أشياء أساسيه مكونه لشخصية كل منا ؟
مثلاَ لو أنا كذاب ....هل
يمكن أن أتحول الى إنسان صادق ؟
أو الأنانى ...الى العكس ،
أو البخيل الى كريم ، أو السلبى الى إيجابى ؟
نكتسب على مدى العمر كثيراَ
من العادات ....
قالوا : أن الحب يمكنه أن
يغير الأنسان ...فمثلاً من الممكن أن يتغير شخص لإرضاء من يحب ...و لكن هذا
التغيير سرعان ما يزول و تعود الشخصية الى طبيعتها الأولى بمجرد أن تتحول هذة
العلاقة الى إعتياد.
يتغير الإنسان فقط عندما
يريد التغير ...عندما يقتنع من داخله و يرى نفسه فى الشكل الأخر الذى طالما رآه من
بعيد و لم يقترب منه .....عندما يشعر هو نفسه بالفائده و الإضافه التى تعود عليه
عندما يمارس هذا التغيير.
لذا قد يكون التغيير فى
بدايته حتى لو كان للأفضل صعب و غير مستحب ......ولكن عندما يتحول الى عاده جديده
، مع الوقت تكتسب شرعيتها ، و تتحول الى مكون جديد فى شخصيته الأساسيه.
قد نرى مسافه بين قناعتنا و
سلوكياتنا ، إذا سعينا لتقريب المسافة بين
قناعتنا و ممارساتنا و قللنا مساحة الفصام التى نعيشها ، ووصلنا الى مرحله من
الصفاء و الصدق مع النفس و مع الأخر.
إذا إستطعنا أن نخرج من
ذواتنا و ننظر إليها من الخارج ، فنرى ما فيها من نواقص و ما فيها من جمال ، و
نسعى من داخلنا لمعالجة النواقص و زيادة مساحة الجمال .
عندما يفشل البعض فى التحقق
على المستوى الخاص ، يهرب من هذا الفشل فى التحقق على المستوى العام ، ظنا منه أن
ذلك سوف يحقق له التوازن النفسى .
هل نستطيع أن نغير مجتمع
للأفضل ، قبل أن نسعى لتغيير أنفسنا للأفضل.
هل نستطيع أن نحلم للأخرين
، قبل أن نحلم لأنفسنا....و ليست هذة دعوة للأنانية.
محتاجين نتعلم ازاى نحب
نسمع كثيراَ عبارة (وقعنا في الحب)، كما لو كان الحب مثل
الحفرة التي
نغطيها بفروع الاشجار ليقع في فخها
أي عابر سبيل!. (نحن لا نقع في الحب، بل نحن ننمو في الحب، هذا المفهوم الذي لابد ان
يحكم سلوكنا تجاه هذه العاطفة الجميلة التي تم تشويهها حتى صارت بلامعنى مثل الماء
النظيف
بلاطعم ولا لون ولا رائحة!.
هناك باحثا امريكيا يدعى هو ليو بوسكاليا قرر
تدريس الحب، وضع (كورس) مكثف في الجامعة للكشف عن غموض هذا الكائن الذي يولد في مجتمعنا بعملية قيصرية،
ويشيع بجنازة صامتة، ويدفن في مقابر الصدقة!.
هو من اصل ايطالي يمتلك دفء وحرارة الايطاليين
لذلك لم يفهمه
المجتمع الامريكي في طفولته وتعامل
مع اسرته بعنصرية، وعندما كان يدرس في احدى الجامعات الامريكية انتحرت احدى طالباته ولم يعرف هو لماذا انتحرت
واستبد به حزن
شديد وايقن انه مخطأ بحقها، لانه
لم يحاول ان يفهمها ويقدر كم هي محتاجة الى الحب، وفي مجتمع مثل المجتمع الامريكي يلتقي فيه الناس ولايتلاقون،
كان على بوسكاليا
ان يستدعي مخزون التواصل الايطالي
الحميم ويعطي كورسا او برنامجا دراسيا في الحب، وبالطبع اتهمه زملاؤه من الاساتذة بالجنون والشذوذ والتفاهة، ولكنه
واصل طريقه
ليصبح اشهر استاذ في علم الحب!.
يؤكد كتاب بوسكاليا على ان الحب سلوك مكتسب، وهو
ما يناقض البديهيات التي تربينا
عليها، وهي ان الحب سلوك فطري يقترب من الوظائف البيولوجية مثل الاكل والتنفس، واكد ايضا على ان الحب مشاركة وليس
عطاء بلاحدود،
فهو لايعيش في يوتوبيا مزيفة
وانما يقرأ واقعا حيا نابضا، حاول معه ان يحذرنا من اننا بالفعل نعيش مع بعضنا البعض ولكنا جميعا نموت من الوحدة.
البداية لكسر هذه
الوحدة الباردة ان نكن انفسنا،
فقديما رفع شعار (اعرف نفسك)، ونحن حاليا نرفع شعار(كن نفسك)، ولاتندهش وتتساءل
(ما انا نفسي، امّال انا مين؟ والاجابة للاسف انت لست نفسك ولكنك النموذج الذي يريده المجتمع لك اثناء
صناعته لخرافة
المواطن الصالح، فاثناء طفولتك مثلا
وحين تطلب منك مدرسة الرسم ان ترسم شجرة فانت تحصل على اعجابها وعلى درجتها النهائية حين ترسم شجرتها هي
وليست شجرتك انت، وتظل طوال حياتك ترسم شجرات الاخرين وتسير في طرقهم المعبدة، وتسكن
في مساكن افكارهم
المعلبة سابقة التجهيز، فالبداية
الصحيحة والسليمة هي ان تهرب وترسم شجرتك انت، وتضحك حين تريد ان تضحك وتبكي حين يخنقك البكاء.
من اهم الخرافات التي تقتل الحب خرافة الكمال، فالشخص المحب لا
حاجة له ان يكون كاملا، بل انسانا فقط، ونحن كثيرا ما نخاف على ان نقدم على فعل اشياء
كثيرة لمجرد اننا لا
نستطيع فعلها على نحو كامل،
فلاتخافوا من النقصان، وثقوا في امكانية التغيير، فالتغيير هو الشيء الوحيد الثابت في هذه الحياة.
وعليك ان تعرف ان نقيض الحب ليست الكراهية، وانما هي اللامبالاة وفتور
الشعور، فاذا كرهني شخص ما فلابد انه يشعر بشيء ما ازائي والا ما استطاع ان يكرهنى، والذي يكرهني لي طريق
معه، اما الذي لا
يبالي بوجودي فلاطريق معه.
الحب يحتاج الى الحرية، والطيور لا تغرد ابدا في الكهوف، والمجتمعات الدكتاتورية
تغتال الحب،
والمواطن المقموع يجهل الحب، ونحن في
مجتمعاتنا نمثل الحب ولا نحياه، ونرتدي قناعا اثناء ممارساته ونزيف مشاعرنا لنرضي الآخرين ونتكيف مع السائد،
ونظل ننتظر الحب
ولكننا في الحقيقة ننتظر (جودو)
البطل الغائب في مسرحية العبث الشهيرة، ولانعرف ان الحب ليس للتفكر والتنظير ولكنه للخوض فيه والممارسة من خلاله.
والحب شيء مختلف تماما عن الاحتياج ويتم تعلمه منذ الطفولة، فمثلا اذا كانت
الاسرة من تلك الاسر
التي تجاهر بعواطفها فسوف يتم
تدعيم الطفل باستجابة ايجابية عندما يعبر عن هذا، فيقفز الطفل الى حضن ابيه ويزرع قبلة على فمه، قبلة خصبة حافلة
بالحيوية، فيرد الأب
عليها بود وفرح، وهنا تبدأ اول
رسالة تعليمية عن الحب، اما اذا حمل الأب الطفل بعيدا عنه ناهرا اياه قائلا: - الرجال الكبار لايحضن بعضهم
البعض!.
بالطبع تؤدي مثل تلك الرسالة السابقة الى خلق شخص من الممكن ان يكون مقبولا
اجتماعيا لكنه وللأسف منبوذ واخرس عاطفيا.
لقد
تعلمنا الحب على ايدي عماد حمدي وفاتن حمامة، وصنعته لنا متروجولدين ماير، وحلمنا به مع اعلان برفان منعش لا تقام علاقة حب
بدون ان نشم عطره
النفاذ من خلال الشاشة!!، اننا
ولدنا وعشنا وشاهدنا نموذج الحب وكتالوج العواطف وباترون المشاعر ولكننا للأسف لم نشاهد او نعش الحب نفسه، والنتيجة
ان كل اثنين
احبا اكتشفها في نهاية العلاقة
انهما تحولا الى جثتين.
اما لماذا يفشل الحب؟ فهذا هو السؤال الخطير، انه يفشل اولا
لأننا كيانات كسولة تخشى التغيير، وثانيا لأننا لا نعرف كيف نحب ذواتنا وانفسنا، وهذه ليست دعوة للنرجسية ولكن من
المؤكد ان من لم
يعرف ان يحب ذاته لن يعرف حب
الآخر، وحبك لنفسك هو ان تناضل لكي تعيد اكتشاف تفردك، وان تصونه وتحافظ عليه، انه يعني فهم وتقدير فكرة انك سوف تكون
(انت) الوحيد مدى
حياتك ،على
الحب يفشل عندنا لأننا مرعوبون من الاختلاف، ومن تحمل المسؤولية، والحب ملخصه اثنان مختلفان يحبان ويتحمل
كل منهما مسؤولية ذلك الحب.
|
|