الحضارة الفاجرة

 

 

 

قـراءة فى يوميـات هيروشيما

من 6 أغسطس  إلي 30 سبتمبر 1945

للطبيب اليابانى متشهيكو هاتشيا

 

ترجمه : د. رؤوف عباس حامد

 

عرض : محمد سيف الدولة

 

أن حضارات الأمم لا تقاس بمدى قدرتها على امتلاك أساليب ووسائل التكنولوجيا الحديثة و لكن بكيفية استخدامها وتحديد الهدف منها و خاصة ما يتعلق بأسلحة الدمار الشامل بمبرر حماية أمنها و على رأسهم أمريكا و إسرائيل و التى تمتلك حاليا 200 قنبلة نووية و آية ذلك هو استخدام الولايات المتحدة الأمريكية للقنبلة الذرية ضد اليابان فى مدينتى هيروشيما و نجازاكى قبيل نهاية الحرب العالمية الثانية ، مخالفة بذلك كل التقاليد و الأعراف الإنسانية و الدولية حيث كشرت عن أنيابها وظهر الوجه الحقيقى للكاوبوى الأمريكى .

ـ اما عن الخلفية التاريخية لهذا العدوان الغاشم فيرجع إلى ظهور اليابان كقوة ودوله صناعية كبرى امتدت أطماعها للسيطرة على كوريا وروسيا القيصرية 1904 ثم الصين و منشوريا و منغوليا 1931 . و انعكست الانتصارات العسكرية التى حققها العسكريون اليابانيون فى الصين على كسب تأييد جماهيرى شجعها على محاولة تحقيق أطماعها فى شرق آسيا و لكنها واجهت مقاومة من جانب الشيوعيون فى شمال الصين و قامت بالدفاع عن مصالحها الاقتصادية فرفضت كل ما هو غير يابانى فى هذه البلاد مما أثار حفيظة بريطانيا إلي سعت لوقف التوغل اليابانى فى الصين بالاستعانة بالولايات المتحدة الأمريكية فبدأت تحاصرها و تفرض عليها عقوبات اقتصادية مما جعل اليابان تتحالف مع ألمانيا و إيطاليا وروسيا فوقعت اتفاقية الدفاع المشترك 1936 ثم هاجمت ألمانيا روسيا فى 22 يمنيو 1941 بدون علم مسبق لليابان بذلك مما أحرج موقفها بين طرفى التحالف فشنت هجوماً على القاعدة البحرية الأمريكية على بيرل هاربر فى 7 ديسمبر 1941 فأعلنت أمريكا وبريطانيا الحرب على اليابان ، و تدخلت ألمانيا و إيطاليا فى الحرب ضد أمريكا فى 11 ديسمبر 1941 وشنت قوات الحلفاء غارات فى جنوب شرق آسيا على الأسطول اليابانى فى 7، 8 / 1942 انتهت بهزيمة القوات اليابانية و غرق أسطولها فى نهاية 1944 و خروجها من الصين و منشوريا و حاولت اليابان اللجوء لروسيا لتدعيمها و إمدادها و لكنها توقفت عن مساعدتها و تعرضت مدينتى هيروشيما و نجازاكى للقنبلة الذرية و اضطرت للتسليم و قبول شروط قوات الحلفاء  فى4 أغسطس 1945

 ذلك كان المناخ العام و الظروف التى هيأت لسقوط قنبلتين ذريتين على اليابان . و التى سنتعرف عليها من خلال رصد لوقائع يومية قام بتسجيلها ووصف مشاهدها من خلال طبيب يابانى ( هاتشيا ) أحد شهود هذه الكارثة من داخل مستشفى المواصلات بهيروشيما .

 

*  *  *

 

 

 

ـ بدأت الوقائع فى 6 أغسطس 1945 بإلقاء القوات الأمريكية لقنبلة ذرية وزنها هائل هبطت بمظلتين و تم تفجيرها فى الجو قبل هبوطها على الأرض وامتلأت السماء بدخان كثيف .

 لم يسمع الطبيب دوى القنبلة لأنه أصيب بالصمم المؤقت من جراء الانفجار و هو يبعد عن موقع الانفجار بحوالى 1500 م و طبقا لما رواه الطبيب وهو ما سنورد  نصه على لسانه فيما يلى : 

" كان جنبى الأيمن مثخنا بالجراح ينزف دما . وثمة شظية كبيرة تبرز من جرح متهتك فى فخذى وشئ دافئ أحس به فى فمى ، أما خدودى فقد تمزقت وتحسست وجهى بحذر لاكتشف أن شفتى السفلى قد شجت شجاً واسعاً وعلى رقبتى هناك شظايا متناثرة من الزجاج أخذت أزيحها بصعوبة بالغة واكتشفت إنني عارياً تماما "

-   وقد تبادر إلى ذهن الطبيب أنها قنبلة وزنها خمسمائة طن وحاول الوصول للمستشفى بصعوبة بالغة وفى أثناء ذلك قابلته جثث متفحمة كثيرة ليس لديها أي معالم وحتى الأحياء المصابين كانوا جميعهم عرايا من جراء القنبلة ووصل للمستشفى وشاهد الكثير من الجرحى والمصابين وكلا منهم يروى ما شاهده وتعرض له أحدهم الدكتور ( تابوتشى ) قائلاً :

-   " لقد كان منظراً مخيفاً . كان المئات من الجرحى الذين يحاولون الهرب  إلى التلال يمرون أمام بيتنا وكان منظرهم لا تطيق العين رؤيته فقد احترقت وجوهم وأيديهم وتورمت وسلخت مساحات واسعة من جلودهم وتدلت من أجسامهم وكانوا يسيرون كصف طويل من النمل وطوال الليل استمر       هذا الصف بلا انقطاع يمر من أمام منزلنا ولكنه توقف فى الصباح فوجدتهم يتراصون على جانبى الطريق بصورة جعلت من الصعب على المرء أن يسير دون أن يخطو فوقهم "

ـ وشهادة أخرى يقدمها لنا أحد المواطنين المقيمين بالمدينة :

" يبدو أن معظم من ماتوا كانوا إما فوق الجسر أو تحته فقد نزل كثيرون إلى مجرى النهر يلتمسون شربة ماء ثم ماتوا هناك . وقد رأيت بعينى رأسى بعض الأحياء لا زالوا يقفون فى مجرى النهر بين الجثث الطافية ولابد أن يكون المئات بل الألوف ممن التمسوا سبيلاً للفرار من الحريق باللجوء إلى النهر قد غرقوا . وكان منظر الجنود المصابين لا يقل بشاعة عن منظر أولئك الذين طفت جثثهم وأجسادهم فوق مياه النهر وسلخت جلودهم وبدا لحمهم لزجا متهتكا .. الخ

ـ وشهادة ثالثة لأحد المصابين :

" وفى أحد الخزانات أيضا كان عدد الموتى يملأ الخزان تماما حتى أنه لم يكن هناك مكان لموضع قدم فى الخزان ويبدو أنهم لفظوا أنفاسهم الأخيرة بينما كانوا يجلسون فى الماء . وحتى حمام السباحة بمدرسة المحافظة كان مملوء بجثث الموتى ويبدو أنهم قد اختنقوا عندما كانوا يقفزون إلى الماء هرباً من النيران لأنه لم تكن تبدو عليهم أثر حروق . ولم يتسع حمام السباحة لجميع من حاولوا الدخول فيه لأن الكثير من الجثث كانت حول الحمام من كل جانب وقد تدلت روؤسها فى الماء "

ـ وهناك الكثير من الروايات لشهود الواقعة وكثير من القصص الإنسانية التى سببت مأساة لكل منزل وكل أسرة فى مدينة هيروشيما ، وهى ليست قصص أو مشاهد لقطات أحد الأفلام الأمريكية ولكنها وقائع حقيقية حدثت بالفعل دليل على همجية ووحشية الإدارة الأمريكية أينما وجدت فى كل زمان بدءاً من طرد الهنود أصحاب الأرض الأصلية وحتى الآن باستخدامهم القوة العسكرية ضد العراق .

- ومن خلال وجود الطبيب بالمستشفى بعد شفاءه قام بتدوين وتسجيل ملاحظات عن الصعوبات وأعراض المرض الذى أصاب الناس من جراء القنبلة وكانوا يطلقون عليها اسم ( بيكادون ) وهى تعنى بريق لامع يعقبه انفجار هائل والأعراض العامة لدى جميع المرضى كالاتى :.

1- الإصابة بالصمم المؤقت والعمى لمن كانوا قريبين من مركز الانفجار .

2- معظم من كانوا قريبين من مركز الانفجار عرايا فقدوا ثيابهم تماما بسبب الانفجار .

3- ظهور حالات فقدان الشهية والمعاناة من حالات الغثيان .

4- عسر هضم مصحوب بغازات قيء وإسهال دموي .

5- ظهور بثور وبقع جلدية وقرحة فى الفم والتهاب فى الحلق ونزيف .

6- وجود أنيميا حادة .

7- الأنفاس ضعيفة جداً

8- شحوب لون الجلد .

9- ضعف النبض وسرعته بمعدل 130 فى الدقيقة .

10- ارتفاع درجة حرارة الجسم يصل إلى 41 درجة .

11- حدوث وفيات كثيرة بعد الإحساس بضيق شديد فى التنفس .

12- اكتشاف نقص حاد فى كرات الدم البيضاء ومعظمها خالى من الصفائح الدموية فالمعدل الطبيعى عدد 6 آلاف كرة بيضاء بينما كان لدى المرضى يتراوح حول 200 كرة دم بيضاء فقط .

13- نزيف دموى حاد فى الفم والمعدة والشرج .

14- سقوط شعر الرأس .

بالإضافة لذلك وجد الطبيب ومعاونوه صعوبات هائلة لنقص الإمدادات بداخل المستشفى بعد التدمير الذى تعرضت له أنحاء المدينة حيث واجهتهم صعوبة التخلص من فضلات المرضى ونقلهم ( القيء الإسهال وعدم وجود أدوية 00 الخ ) وصعوبة التخلص من الجثث إلى جانب رائحة الجثث وتأثير ذلك على المرض الذين ما زالوا أحياء تحت العلاج وأيضا عدم توافر مكان وأدوات لتشريح الجثث لمعرفة أسباب الأعراض لمعالجتها .. الخ .

ومن خلال تشريح إحدى الجثث ثم ملاحظة وجود التهاب بريتونى بالمعدة وترهل بالبطن نتيجة لآلام شديدة ، وفتق نتيجة حمل خارج الرحم ، تهتك البنكرياس وجود كثير من السائل الدموى بالمعدة وجود بقع مخاطية فى الكبد .

ومن جراء هذه الأحداث وتأثيرها على الناس داخل المدينة انتشرت إشاعة أن لا أحد يستطيع أن يسكن أو يدخل هيروشيما ألا بعد 75 عام …

ـ وفيما يلى واقعة أحد القريبين من مركز الانفجار وهى سيدة عمرها 41 عام أصيبت على بعد 1.3 ك .م من مركز التفجير ، قالت :

" حدث برق شديد وأصفر الجو فجأة و ارتعشت كتفى اليمنى كما لو كان اصابها ماس كهربائى . لم أدرى ماذا أفعل عندما سمعت صوتا يشبه الرعد يتردد بشكل مفزع وكأن السماء انطبقت على الأرض " .

" وعلى مدى البصر كانت مبانى مدينة هيروشيما جميعا قد تهدمت و أصبحت حطاما وأرتفع التراب الأحمر أربعة أقدام فوق سطح الأرض يا له من حادث فظيع "

" وإحدى جاراتها روت لها أنها رأت المئات والآلاف من تلاميذ وتلميذات المدرسة الإعدادية قد تمزقت قمصانهم كما تمزقت سراويل الأولاد فأصبحوا أشبه عراة وسلخت جلودهم وتشابكت فى بعضها البعض وتورمت وجوههم وأخذوا يقفزون فى النهر فتساقطوا فوق بعضهم البعض " .

ـ شهادة ثانية لسيدة تبلغ من العمر 33 عام ، أصيبت على بعد 1.7 ك . م من مركز التفجير :

" ولا أتذكر أيهما كان الأسبق الضوء أم صوت الانفجار الذى زلزل هديره رحمى ، وما لبث أن أدركت أن رائحة الهواء أصبحت كريهة فتناولت منديل لاحك أنفى وفمى بقوة ظنا منى أن ما القى علينا قد يكون قنابل الفسفور الأصفر الحارقة          ولكن صدمت حيث وجدت جلد وجهى قد تساقط على المنديل . آه .. لقد حدث نفس الشيء ليدى وأرجلى أيضا و تدلى جلد يدى اليمنى من المرفق إلى أطراف الأصابع ببشاعة كذلك كان الحال بالنسبة ليدى اليسرى وأصابعها الخمسة " .

وما رأيته خلف الجسر صدمنى فقد كان المئات من البشر يتلوون فى مجرى النهر ولم استطع أن أتبين ما إذا كانوا رجالاً أم نساء فقد كانوا جميعا متشابهين وجوههم متورمة رمادية اللون ، شعرهم منتصب ، وكان الناس يندفعون إلى النهر رافعين أيديهم إلى أعلى يئنون من الألم ، أحسست بنفس الرغبة مدفوعة الألم          الذى استشرى فى جسدي بعد تعرضه لإشعاع حراري على درجة من القوة كانت كافية لحرق سراويلي .

- وعندما  عبرت جسر كوجن لم استطع التعرف عليه فقد كان سوره المقام من الحديد المسلح لا وجود له . وأصبح الجسر آيلا للسقوط غير مأمون الاجتياز وكانت تطفو تحته الكثير من الجثث التى تبدو كأنها جيف كلاب أو قطط عارية تماما من الثياب إلا من بعض الخرق البالية . وكان ثمة امرأة ترقد فى المياه الضحلة القريبة من الشاطئ ووجهها للسماء وقد تمزق ثدياها وانبثق منها الدم ، ياله من منظر مريع كيف يحدث مثل هذا الشيء الفظيع فى العالم .؟ أن الحكايات الخيالية المفزعة التى كانت تقصها على جدتى بدت متواضعة بجانب ما أراه ماثلا أمام عينى "

ـ تلك هى كانت صور ووقائع سلسلة الجرائم الأمريكية ضد كل ما هو أنساني  والتى دوما ما تدعى أنها راعية وحامية لحقوق الإنسان وليس هناك أي تعليق أو تعقيب من جانبنا فالوقائع نفسها هى المتحدث الفعلى . ولا نذكر سوى تعليق الطبيب اليابانى هاتشيا صاحب تسجيل هذه الوقائع الذى هزته وأصابته الدهشة والانزعاج من القوة الهائلة لهذه القنبلة التى دمرت هيروشيما وقتلت وأصابت نصف مليون من سكانها بقولة " أن اليابان هزمت فى حرب علمية وليست معركة حربية تعتمد على المواجهة البشرية " .