انسان ...لكن بين البينين

 

       بين البينين ..كلمة مصرية باللهجة العامية ، وهي كلمة نطلقها نحن المصريون عندما يواجهنا سؤال ...مثل صف لنا هذا الرجل هل هو طويل ، أم قصير فنقول بين البينين ، ونعني به أنه لا يوصف بأي منهما ، وهي كلمة تؤدي المعنى المطلوب منها إذا كانت لإجابة سؤال  مثل السابق ولكن في مواقف الحياة يكون أسوأ المواقف هو أن يكون موقفنا بين البينين .

      

       هناك كثيرون منا موقفهم في الحياة يمكن أن نصفه بأنه بين البينين ،كرجل يتكلم كثيرا عن الظلم الواقع على المرأة ، وضرورة حصولها على حقوقها ، حتى إذا واجه منافسة مع امرأة أو اصطدمت به سيارتها في الطريق ، أو اختاره الله جل شأنه رئيسا لها ، فطلبت منه مراعاة انسانية لطبيعتها كأم ، تدفق منه الكلام عن أن النساء لا يصلحن للعمل ، داعيا على قاسم أمين وسنينه ، فلا هو كان صادقا مع نفسه ، إذ أبدى دائما اعتراضه على عمل النساء وتحمل مسئولية موقفه ، ولا هو قام بتنقية داخله من هذه الأفكار وفهم أن الرجال والنساء متساوون ...وهذا التساوي هو ما يجعلنا إذا تحمل أحدهم عبئا إضافيا مثل الأمومة ، فله أن يأخذ وضعا مفضلا مقابل ما يتحمله وحده ، ولذا يعيش من يتكلم بغير ما يفعل في الحياة موقفا هو ما نسميه ، بين البينين .

 

       وبشر آخرون ، إذا تكلموا مع رئيسهم في العمل أبدوا موافقتهم على آرائه السديدة ، واتفقوا معه على كافة الخطوط العريضة وغير العريضة ، حتى إذا خرجوا من عنده ، بدأوا في السخرية من زملائهم الذين ينفذون تعليماته ، فلا هم نصحوه بما يرونه رشدا ، ولا هم اذ خرجوا نفذوا ما اتفقوا عليه ، فضاعت أوقات حياتهم  بين البينين .

 

وهناك من النساء من  تعمل وتعتقد أنها ما كان لها أن تعمل ...فلا هي أخلصت في عملها ، وأدت ما عليها، وكان لديها الطموح للوصول إلى أعلى المستويات ، وعلمت الجيل الأصغر منها ،ودافعت عن حق المرأة في العمل ، ولا هي مكثت في بيتها ، لتضع جهدها وأحلامها فيه لتجعله جنة تلقي بظلها على من فيه لتملأهم سعادة ، ولا هي بذلت جهدها في العمل وفي البيت ورضيت بحياتها ولم تلم نفسها عن أي تقصير لابد أن يحدث ممن يقوم بأكثر من دور فسعدت بدورين في حياة خصبة ثرية تعمل فيها باتقان وتحاول في الوقت نفسه أن تسعد نفسها ومحبيها ، وهي بالتالي كلما ذهبت إلى العمل قالت  أنا مكاني ليس هنا ..فإذا عادت إلى البيت ، عادت ساخطة  على أنها مازالت مستمرة في العمل ،وساخطة على أعمال المنزل  فعاشت في الحياة موقفا هو ما نسميه ، بين البينين .

 

       نضحك حين نضحك بأفواهنا فلا تعني ضحكاتنا مهما علت أننا سعداء ، ونحزن فلا نبكي ولا تخرج الدمعة من أعماقنا لتغسل أحزاننا ، ونقلق فلا نبوح بهمومنا لمن نحبهم فنكتم القلق وتختفي الابتسامة ، نشكو الواقع ولكن لا نبذل جهدا لتغييره ، ونحيا لسنا سعداء ولا تعساء ..ولكن بين البينين .

 

       إسعاد أنفسنا والآخرين مسئولية علينا أن نتحملها  ، ويستطيع الانسان أن يسعد نفسه اذا عزم على امتلاك ارادته ، فكان صادقا ذو وجه واحد ، وحاصر مساحة ازدواج الشخصية داخله ، وتأمل في مواقف حياته وكلما وجد موقفا بين البينين ...اختار جانبا وكان شجاعا في تحمل مسئولية اختياره .