نحن و ثقافة القهر
القهر ليس هو فقط ما نعانيه من حكامنا و من الأنظمة المستبدة ، ولكننا
نعانى أيضا قهر بعضنا للبعض، إنها ثقافة نراها داخل بيوتنا و فى مدارسنا و داخل
جامعاتنا ، نلاحظها فى المصالح الحكومية و أماكن العمل المختلفة ...نجدها واضحة فى
قهر الرجل لزوجتة و قهر الموظف الكبير للموظف الصغير..........الكل مدان و الكل
مسئول.
تلك الثقافة ليست بجديدة علينا و لم نستوردها من الخارج كما أصبحنا
نستورد معظم إحتياجاتنا، إنها ثقافة قديمة وتأصلت بداخلنا عبر ألاف السنين و كشفت
عنها البرديات الفرعونية القديمة، فبإستمرار القهر و تكراره يتحول القهر الى ثقافة
متوارثة و سائدة.
وما يزيد المشكله إننا نتعرض اليوم بالأضافة لقهرنا الداخلى لقهر خارجى
إضافى من القوى العظمى فى العالم (أمريكا).فهى تطالبنا اليوم بالتخلص من القهر و
تحقيق الديمقراطية وهى أيضا تمارس ذلك بمنتهى القهر ، لذلك لا أعتقد أن بوش صادق
فى دعوته هذة إلا بالقدر الذى يخدم مصالح أمريكا و أسرائيل و لا أعتقد أيضا أن
أنظمتنا ستقيم إصلاح حقيقى لأن ذلك ببساطة سيعنى سقوطها وإلا ما الذى كان يمنعها
طوال السنوات السابقة ، هل كانت تنتظر الدعوة الأمريكية.
فى الفترة الأخيرة تعالت المطالبات بالديمقراطية و كأننا أفقنا فجأة
لندرك أهمية الديمقراطية و أنها الطريق للحل و أننا لن نتخلص من قهر الخارج إلا لو
تخلصنا من قهر الداخل أولا.
و لكن أى ديمقراطية و هل تلك الديمقراطية سلعة يمكننا إستيرادها مثل باقى
الأشياء، إنها بذرة يجب أن نزرعها على تراب أرضنا و نرويها بالماء و نعرضها للشمس
و الهواء حتى تكبر و تصبح شجرة لها أصل ثابت و فروع عالية ، تصبح أصيلة
كديمقراطيات الغرب الذى يؤمن حكامهم أنهم خدام شعوبهم و ليسوا أسيادهم كما يوجد
عندنا، فيوجد فى الغرب نظم عريقة فى الديمقراطية و لنا نظم أيضا عريقة ولكن فى
الأستبداد.
و الأستبداد لا يمثل خطورة فقط فى وجه التطور و لكن المشكلة الخطيرة أنه
يتحول ليصبح دافعا للشعور بعدم الإنتماء.
فعندما نتحول الى أرقام وسط جموع غفيرة لا تعرف الى أين تسير و ما هى
إمكانات نهوضها يأتى الشعور بعدم الأمان وهو بداية ضعف الإنتماء.
وعندما نعيش و اقع سياسى و مجتمعى يغلق آفاق تفكيرنا و يبتر أحلامنا بغد
أفضل يمكن أن نتنفس فيه رائحة الحرية ، يأتينا أيضا الشعور بعدم الإنتماء، و كذلك
عندما يجد الشباب أنفسهم داخل مجتمع لا يعطيهم فرصة العمل أو الأمل فى الترقى
داخله تظهر رغبتهم فى الهروب من هذا الواقع حتى لو كان الثمن حياتهم كما يحدث
لجموع كثيرة من الشباب أثناء محاولاتهم المتكررة للهروب الى أوروبا.
و هناك هروب أخطر و هو الهروب داخل حدود الوطن و هو ما نلاحظه على
الغالبية من الأبتعاد عن الشأن العام ورفض المشاركة فى أى عمل سياسى أو إجتماعى و
بالأضافة الى ذلك الامبالاة و إدارة الظهر لأى حديث عن الأصلاح و كأن تلك الكلمة
تحولت لمجرد نفخ فى الريح لا يؤثر ولا يتأثر.
هل يمكننا أن نغير ثقافة توارثناها عبر سنين طويلة ، هل يمكن أن نغير
أنفسنا ، هل يمكننا أن نتوقف عن مطالبة أطفالنا بالأستماع و ندعوهم الى المناقشة ،
هل نتستطيع أن نبعث بداخلهم روح المشاركة و ندعم ثقتهم بأنفسهم و نساعدهم أن
يكبروا بعقول حرة ، هل هناك أمل أن تتحول عقولنا من عقول تحفظ و تردد الى عقول
تقرأ و تفكر ، هنا فقط يكون الأمل.
م/ حنان سليمان