رحلة فى بحر النحو
لو كنت تعلم ما اقول عذرتنى
او كنت تعلم ما تقول عذلتكا
لكن جهلت مقالتى فعذلتنى
و علمت انك جاهل فعذرتكا
الخليل بن احمد
يا ترى الكلام اللى فات ده بالهندى و لا بالعربى ؟ ايه الكلام الملخبط
ده؟ بصراحة انا مش عارف بالظبط .... و بعدين مين الخليل بن احمد ده؟
لو كنت مش غاوى نحو او لغة عربية و قواعد النحو و الصرف حاول تستعد
عشان اللى هتقراه دلوقت هيحببك فى اللغة العربية جدا و هتتمنى تتعلم قواعدها
صح......... اتمنى انك تستعد معايا لاننا دلوقت مضطرين نسافر لمكان بعيد و ننتقل
لزمان بعيد من كام قرن كده عشان نفهم الابيات اللى فوق دى و نعرف مين الخليل بن
احمد اللى كاتبها ... استعدوا... جهزوا السندوتشات و الزمزمية عشان رحلتنا طويلة
..... ماتنسوش تجهزوا كراسة و قلم عشان نسجل كل اللى هنشوفه فى العالم ده........
عالم و عصر الدولة العباسية .....عصر العلماء و النوابغ .
هنبدأ الرحلة لكن قبل ما نبداها لازم نرجع شوية لزمان خالص يعنى ايام
الهجرة و نرجع للجزيرة العربية الاسلامية .... البداية كانت مع شخص علامه... نابغة
فى اللغة... اسمه ( ظالم بن عمرو بن سفيان بن جندل بن يعمر بن حلس بن نفاثة بن عدى
بن الدئل بن بكر بن عبد مناة) ........ يا خبر... كل ده اسمه !!! علشان ما حدش
يتوه الاسم ده الخصه فى اسم واحد معروف لينا و سمعنا عنه فى المدرسة زمان فى كتاب
العربى الشخص ده هو ( ابو الاسود الدؤلى) و ده اسمه المعروف للعالم بخلاف اسمه
الاصلى اللى اتكتب فى السطر اللى فات!!!
أبو الاسود الدؤلى مؤسس علم النحو ......... اختلفت الروايات حول
تاريخ ميلاده... هناك من قال انه ولد قبل الهجرة ب 16 سنة و من قال انه ولد قبلها
بعام واحد ...... الشىء المؤكد هو انه ولد فى قبيلة ( كنانة) .. لم ير الرسول صلى
الله عليه وسلم ابدا و دخل الاسلام بعد وفاته صلى الله عليه وسلم ...... على كل
حال الاكيد انه توفى عام 69 هجرية و انه شهد موقعتى ( الجمل) و ( صفين).
كان علامة عبقريا ..... و ان لم يتفق الناس على القصة التى جعلته يفكر
فى هذا العلم .... كانت الامبراطورية الاسلامية تتسع و معها كثر العجم .........
هذا ادى الى خلل بدا يتسرب الى اللغة العربية و صار كل واحد يستعمل لغته الخاصة
...... شعر الدؤلى بهذا الخطر. و يروى انه مر برجل يقرا القران الكريم فيقول: ( ان
الله برىء من المشركين و رسوله) فكان الرجل يقرا لفظة( و رسوله) مجرورة ...... اى
انها معطوفه على المشركين ....... هذا يغير المعنى كلية .... و قيل ان الدؤلى
اصابه الهلع و قرر ان يعرب القران الكريم ...... و هناك من قال ان الخليفة ( عمر
بن الخطاب) رضى الله عنه هو من كلفه بذلك ...و يحكى ايضا ان الدؤلى دخل على ابنته
فى يوم حار فقالت له : ( ما أشد الحر؟) فرد عليها بان اشد الحر شهر (ناجر) الذى هو
شهر صفر عند العرب قديما ... لقد حسبها تساله عن اى الفصول اشد حرا .... فكان
عليها ان تنصب لفظة ( اشد) لو ارادت ان تتعجب من شدة الحر ...ز بهذا تكون ( أشد)
فعلا ماضيا جامدا و الحر مفعولا به!!!
ببساطة عشان نفهمها اكتر .... ممكن واحد يسال صاحبه ( هل يمكنك
مناولتى هذا الكتاب؟) .... انت فى الواقع تطلب من صديقك ان يناولك الكتاب ....
ممكن هو يفهمها على انك بتساله و يقولك ( نعم .... يمكنى ذلك)
على كل حال العلماء متاكدون من شىء واحد هو ان ابو الاسود الدؤلى قصد الامام على كرم الله وجهه و شرح له وجهة نظره فى ان اللغة العربية فى خطر
.... و ان الناس بترتكب الاخطاء فى اللغة العربية و كأنهم يتنفسون... فتناول الامام على صحيفة و كتب فيها :( بسم الله
الرحمن الرحيم .... الكلام اسم و فعل و حرف ... الاسم هو ما انبا عن المسمى ... و
الفعل هو ما انبا عن حركة المسمى ... و الحرف
ما انبا عن ما هو ليس اسم و لا فعل .... ثم طلب من الدؤلى ان يسير على هذا
النحو ... و للدقة قال له( أنحو نحو هذا....) .... و من هنا جائت لفظة النحو.
راح ابو الاسود الدؤلى يدرس كلام الناس و الاخطاء الشائعة و ما يحفظه
من الشعر العربى ثم ذهب الى الامام على ليبلغه بما توصل اليه من اخطاء و دراسة فى
اللغة.... فكان من ضمن ما عرضه على الامام على حروف النصب( ان و أن و ليت و لعل و
كأن) التى نطلق عليها الان اخوات ان.... فقال له الامام على لماذا لم تذكر من
ضمنها (لكن) ؟ فقال له الدؤلى لم احسبها منها فقال له الامام على بل هى منها
فزدها..... و بذلك بذر الامام على البذرة الاولى فى علم النحو الى جانب ابو الاسود
الدؤلى .
بعد تلك البحوث ادخل الدؤلى فن التشكيل للحروف .... و كان اول تشكيل
ابتكره يقضى بان يجلس الكاتب و معه حبر احمر .... فاذا كان الحرف مفتوحا وضع نقطة
حمراء عليه من فوق ... و اذا كان الحرف مكسورا وضع نقطة تحته.... و اذا كان مضموما
وضع امام الحرف نقطة .... و الغنة تمثل بنقطتين.... كان الموضوع فى بدايته مربك
الى حد كبير التشكيل جديد على العرب فى هذا الوقت .... لكن يجب الا ننسى ان تلك
المحاولة كانت الاولى ..... فقبل الدؤلى لم يكن هناك شىء اسمه تشكيل.
و مات العالم الجليل و لكنه ترك من خلفه عدة تلاميذ منهم (عطاء) و (
أبو حرب) و هما ابناه .. و ( عنبسة) و ( ميمون) و ( و يحيى بن النعمان العدوانى )
و( سعد بن شداد الكوفى النحوى) و ( نصر بن عاصم الليثى النحوى) ..... اى ان العلم
عملية مستمرة بلا توقف .... فلولا ابو الاسود الدؤلى لما جاء الخليل بن احمد و
غيره.
الخليل بن احمد هو اللى كلنا عايزين نعرف مين هوه و علشان نتكلم عنه
احب احكى الاول عن العلامه سيبوييه و فى اطار حديثنا عن سيبوييه هنعرف كلنا مين هو
الخليل بن احمد.
هنبدا رحلتنا فى الدولة العباسية بالتحديد من مدينة البصرة التى ارتحل
اليها سيبوييه الفارسى الاصل .... هو العلامة المعروف بامير النحاة ( عمرو بن
عثمان بن قنبر ) الشهير بسيبوييه و سيبوييه تعنى بالفارسية رائحة التفاح و لقب به
عمرو بن عثمان ( سيبوييه) لان رائحته كانت عطره كرائحة التفاح.... ولد سيبوييه عام 148 هجرية بقرية البيضاء فى
شيراز فنشأ طفولته فى مدينة ( شيراز) و لكنه ارتحل صبيا الى البصرة ليتعلم و يجلس
فى حلقات العلماء مع امام النحو ( الأخفش ) و ( حماد بن سلمة )
كان سيبوييه الشاب حديث السن يجلس فى الصف الاول متحمسا متحفزا يوشك
على ان يثب من مكانه فى مجلس شيخه و استاذه الجليل ( حماد بن سلمة) مفتى البصرة و
قطب علماء النحو فيها .
و ذات يوم كان الشيخ و العلامه ( حماد بن سلمة) يقول بصوت وقور رزين :
( قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ليس من اصحابى أحد الا و لو شئت لاخذت عليه
ليس أبا الدرداء). و هنا بعد قول الشيخ سرت رعدة كهربية فى جسد الشاب الصغير
سيبوييه .... ثمة شىء خطا .... رفع يده فى تردد مهذب ... فنظر اليه استاذه نظرة
غريبة من طراز( اتكلم الان او اصمت الى الابد)!!!
( هناك خطا يا سيدى ... الصواب ان تقول : ( ليس ابو الدرداء ) فنحن
نتكلم عن اسم ليس أى انه مرفوع)........زز فابتسم الشيخ فى هدوء و قال له فى هدوء:
( لحنت يا سيبوييه ... ليس هنا أداة استثناء و ( أبا ) منصوبة لانها مستثنى) ....
هنا احمرت اذنا سيبوييه من الخجل بسبب ضحكات زملائه الطلاب فى المجلس ثم قال
لاستاذه فى حماس( لا جرم ......... ساطلب علما لا تلحنى فيه ....) أى انه سيصل
درجة من العلم لا يجد أحد غلطة فى كلامه بعدها... و كان هذا العهد الذى اخذه مع
استاذه حدثا جوهريا فى حياته . كانت حساسية سيبوييه المفرطة لسببين اولهما ...
لانه فارسى الاصل و كان فى فكره انه مهما حقق من انتصارات سوف يظل العرب ينظرون
اليه على انه لا يجيد العربية مثلهم .... بالرغم من ان العصر العباسى هو باختصار
شديد كان عصر تدليل الفرس بخلاف العصر الاموى ...... السبب الاخر هو انه ذو كبرياء
يعنى بالبلدى ( عنده دم) و قد شعر انه اهين بصوت عال فى حلقة الدرس فلابد و ان هذا
حز فى نفسه كثيرا ...
فمنذ ان اخذ على نفسه هذا
القسم انطلق يدرس و يتابع كل شىء يخص اللغة العربية.
كان يجوب الطرق يسمع كلام الناس و يستنبط منه الاخطاء اللغوية و
النحوية التى يقعون فيها فى كتاباتهم و كلامهم و ذات يوم سمع صراخ و عويل طفل صغير
فى الطريق يختنق الكلام فى حلقه من شدة بكائه فساله على ما يبكيه.... فاجابه الطفل
و هو يبكى ( أبى أبى .........)
ساله سيبوييه عما جرى لابيه فقال له الطفل ( ابى لقد جن .... ابى لقد
جن) يعنى ابويا اتجنن!!!!!!!
اخذه سيبوييه الى الدار ليرى والده و ليعلم ما حدث..... و اخيرا وصل
به الى دارهم ...... انه دار ( الخليل بن احمد الفراهيدى) !! و الغلام هو ابنه....
يا له من امر عجيب الطفل يقول ان اباه جن جنونه!!!
دار فقيرة ليس فيها شىء من زينة و هناك كوة فى السقف يدخل منها نور
الشمس ..... هناك بئر فى وسط المكان فى هذا العصر الذى لم يعرف فيه السباكة
الحديثة..... و الغريب ان هناك رجل يتدلى
فى البئر فلم يبق الا قدماه فى الخارج بينما هو منثن على نفسه و جذعه بالكامل فى
داخل البئر و الادهى انه كان ينشد الشعر بلا انقطاع!!!!!!!!!!
فنظر سيبوييه الى الغلام و تاكد من انه على حق فالامر لا يستحق لطبيب
نفسى كى يجزم بان والده مجنون...
صاح فيه احد الرجال المتجمعين فى اندهاش لهذا التصرف الغريب ( لقد
اثرت ذعر ابنك يا خليل !!) و رجل اخر يصيح فيه ( رجل فى سنك يدفن نفسه راسه فى
البئر لينشد الشعر؟) فنظر الرجل ( الخليل بن احمد) الى ابنه و الى الاخرين ثم قال
لهم باسما البيتين اللى كتبتهم فى اول القصة فوق.
و لمن لم يفهم البيتين قاله الخليل للناس ليلومهم على عدم وعيهم بما
يقولون و لكنه لا يلومهم على جهلهم..... لو عرفوا هو بيعمل كده ليه كانوا
عذروه.... بس هما مش واعيين!!!!
قال لهم ( باختصار الامر
يتلخص فى أن البئر هى المكان الوحيد الذى يرجع الصدى جيدا .... كنت ادرس مقاطع
الشعر العربى...!!!!!!)
هنا نظر اليه سيبوييه الواقف وسط المجتمعين و احمر وجهه و انفتح فمه
ذهولا و نشوة و فضولا لمعرفة هذا الشخص المجنون باللغة العربية و مقاطع الشعر
العربى...
قال لهم ( الخليل بن احمد) : منذا يام قابلت رجلا اعجميا ... و كان
لطيف المعشر لكنه سخر من شعرنا العربى و قال انه مفكك لا يحتكم الى قواعد ....
قياسه سمعى تماما على عكس شعرهم اللاتينى العظيم !! فاثار هذا غيظى و قررت ان اوجد
للشعر العربى قواعد .... و كنت امشى مع صديق لى فى سوق النحاس حيث الصناع يدقون
الاوانى بمطارقهم فتنبعث لهذا نغمة مميزة هى ( تن تن تن!) فوقفت اصغى لفترة طويلة حتى طلب صاحبى ان نرحل
قبل ان يصاب بالصمم .... و بعد خطوات مررنا على سوق ( القصارين) (اى سوق غسيل
الثياب قديما) فكانوا يضربون الثياب المبتلة بمقارع من الجلد و من هنا كنت اسمع
صوت غريب مكتوم بعض الشىء ( تتن تن تتن تن)..... فخطرت لى فكرة رهيبة هى ان
النغمات كلها دقة و سكون .... دقتان وسكون..... ثلاث دقات و سكون..... يمكن اعتبار
هذه وحدات نميز بها النغمات فهرعت الى ( أبو رافع) سيد الموسيقيين و طلبت منه ان
يساعدنى فى وضع قواعد للشعر العربى لكنه قال انهم يعتمدون على السماع فى موسيقاهم
و انه لا توجد قواعد .... لكننى لم اقنط ..... واصلت البحث و من ضمن تلك الابحاث
انشاد الشعر فى البئر كما رايتمونى ثم لخص لهم ما عرفه من قواعد و استنتجه من
قواعد فى لقاء طويل بمسجد البصرة قال فى بدايته ( ايها العرب .... لكم ان تفخروا
بشعركم فله قواعده الاصلية التى اتبعها الاولون بالسليقة .... لقد و جدت ان ايقاع
الشعر يعتمد على الحركة و السكون بشكل ثابت .... لا يخرج الشعر العربى عن
الاوزان... فاعلن و فعولن و مفاعيلن و فاعلتن و فاعلاتن و مستفعلن و مفعولات و
متفاعلن و مستفعلن... من هذه الاوزان تتالف البحور و قد امكننى ان احصر خمسة
عشربحرا من الشعر هى الطويل و المديد و البسيط و الوافر و الكامل و الهزج والرجز و
الرمل و السريع و المنسرح و الخفيف و المضارع والمقتضب و المجتث و المتقارب ....
طااااااااااااال حديثه الشيق لعشاق اللغة و كان من بينهم سيبوييه الذى ظل طوال
المجلس فاتحا فمه منبهرا بهذا العبقرى فى الشعر و اللغة .... و بعد انتهاء المجلس
خرج الخليل فراى سيبوييه يتعثر حتى لحق به ثم انحنى يمسك بيده و يقبلها و يساله :(
هل تقبل ان ادرس قواعد النحو على يديك ؟) فنظر اليه الخليل بن احمد فى وقار و قال
له ( انا لم ابخل بعلمى قط ..... ما اسمك يا ابنى؟) قال له : ( انا عمرو بن عثمان
بن قنبر ) اشتهر باسم سيبوييه ...و هنا بعد ان اخذ الاذن من استاذه و معلمه الجديد
بعد حماد بن سلمة قال فى نفسه ( الان ... الان.... لقد وجدت سيدى!)
و هكذا انتظم سيبوييه فى دروس الخليل فاحبه الخليل كثيرا و كان دائما
ما يرحب به قائلا له:( مرحبا بزائر لا يمل!) و هى عبارة قلما قالها الخليل لاحد .
و هكذا كان حب هذا الاستاذ العظيم يغرس جذوره فى نفس الفتى الشاب سيبوييه.
و قبل ان نكمل رحلتنا لابد ان نتوقف قليلا عند حياة هذا الرجل (
الخليل بن احمد) استاذ وشيخ سيبوييه ..... فمنذ ان كان الخليل صبيا كان يتمنى
الانضمام للخوارج دفاعا عن الاسلام الذى افسده الامويون , ثم ثاب لرشده و عرف انه
من الاثم ان ينفذ الشريعة بيده لمجرد انه يراها صحيحة من وجهة نظره .... هكذا بدل
خطته و انطلق لقتال الروم...
فالرجل كان و ظل طوال حياته يفكر فى امور المسلمين .... و من القصص
التى تروى عنه .
انه ذات يوم جاءه ركب مهيب من فرسان و سيوف براقة و خيول مطهمة ....
هذا الركب راح يجتاز شوارع المدينة الضيقة
حتى بلغ بيت الخليل . فترجل قائد الركب ..... رجل منتفخ الاوداج معتد بنفسه متانق
كالطاووس و على الباب طلب ان يستدعوا له ( الخليل بن احمد ) لانه موفد من امير
الأهواز ........... فجاء من يحمل الخبر للاستاذ الجالس مع تلاميذه و منهم سيبوييه
..... دب القلق فى الجالسين لكن الخليل قال لهم بلهجة آمرة ( لم ينته الدرس بعد )
ثم قال لمن يناديه :( قل لرسول أمير الأهواز أن ياتى هنا فأنا لن أذهب له)
......... و هكذا دخل الرسول القاعة و هو مغتاظ نوعا ..... انها اهانة لكن عنده
رسالة لابد من توصيلها ..... فعليه ان يبتلع الاهانة مرغما .... فحيا الخليل و جلس
و هو يتنفس من منخريه كفرس هائج.
بينما واصل الخليل الدرس كأن
شيا لم يكن .... و عندما انتهى الدرس استدار بوجهه بشوش لضيفه منتظرا ان يبدا
الكلام.
فقال الضيف:( سيدى امير الاهواز ( سلمان المهلبى ) يرغب فى اديب يقيم
فى قصره .... يسليه و يعلم اطفاله و يؤدبهم.... و قد طلب منى ان اقدم لك هذا العرض
مع هدية مائة الف درهم .... انها كفاية لتغطية نفقات سفرك....) ... هنا قام الخليل و ذهب لخزانته الصغيرة و
تناول منها شيئا و عاد به ملوحا... انها كسرة خبز جافة.... و قال و هو يعود الى
مجلسه ( ما دامت هذه فى دارى فلست بحاجة لامير ... اما الدراهم فهناك شعراء فقراء
اولى بها منى.) .... نظر اليه الرسول فى غضب و ساله هل جوابك ده نهائى ( زى جورج
قرداحى) رد عليه الخليل ( نعم ... و قل
للامير بيت الشعر هذا..)
أبلغ سليمان أنى عنه فى سعة و فى غنى غير أنى لست ذا مال
سخا بنفسى أنى لا ارى أ حدا يموت هزلا و لا يبقى على حال
و من هنا استحق الخليل بن احمد ما كتبه المعاصرين عنه
( الخليل بن احمد) رجل من مسك و من ذهب لم يات فى العرب بعد الصحابة من هو اذكى منه
الموقف الثانى الذى يثبت عبقرية و حكمة الخليل... هو انه ذات يوم جاءه
رجل متعجلا نافذ الصبر .... حياه ثم قدم له ابنه و قال: ( جئتك من سفر شاق لانى
سمعت عن عبقريتك .... أريد أن تعلم ابنى علم النجوم و النحو و ما ينفعه من الطب و
فروض الفقه.)
هنا حك الخليل راسه و سال الرجل ( كم عاما تنوى تركه معى ؟) .... فهتف
الرجل فى ذهول : ( انا انتظر على الباب مع حمارى الى ان تعلمه لنرحل!!!) هنا ظن
الناس ان الخليل سيجعله يمشى و يستنكر فكره و لكن الخليل بهدوء غريب وضع يده على
كتف الصبى و قال له:( لتعلم يا بنى ان الثريا فى وسط السماء ... هذا درس كاف فى
علم النجوم... الفاعل مرفوع و هذه من اهم حقائق علم النحو ... بها بدىء هذا العلم
و لعله بها يختم.... نبات ( الهليج الكابلى) مفيد للصفراء .... هذا يكفيك فى الطب
... اما عن الفقه فحسبك ان تعرف أنه لو مات رجل تاركا ابنين فثروته تقسم بينهما
بالتساوى .... هذا يكفيك)
قال الاعرابى ( هلم يا بنى اشكر الخليل و لا تنس العلم الذى قدمه
لك...) و ركبا الحمار وعاد بابنه!!!!!!!
قال الخليل و هو يعود لمجلسه (هذا اقصر درس أعطيته فى حياتى لكن الرجل
راض بما حصل عليه ..... و هذا هو المهم!!!)
مازلنا نعيش تلك اللحظات الجميلة مع العلامة العظيم الخليل بن احمد فى
مدينة البصرة...... و بينما نحن نعيش تلك الايام القديمة المليئة بالعلم و
الثقافة..... جاء رجل الى الخليل و كاننا نراه الان و هو يحمل خطاب للخليل و قال
له فى جزع ( هذا خطاب من ملك الروم .... لقد سمع عن نبوغك فارسل هذه الرسالة) ....
فتحها الخليل و نظر فيها .... و رمش بعينيه ثم ناولها ل ( سيبوييه) اقرب تلاميذه
اليه .... نظر اليها الاخير فلم يبد عليه الفهم و قال : ( هذه ليست لغة عربية...)
فقال الذى اتى بالرسالة ( بل هى بالعربية .... أؤكد لك هذا ....)
فقال له سيبوييه ( انها تبدو حروفا يونانية قديمة .... لكنى لا اذكر
كيف تقرا....) و هنا احس الخليل بان ملك الروم يختبر ذكاءه .... هذا واضح .... لان
ملك الروم يعلم ان الخليل لا يعرف
اليونانية... فنهض الخليل الى غرفته و جلس الضيف يبتسم فى ظفر لانه اعجز الخليل
.... و لكن بعد فترة من الوقت عاد الخليل من غرفته حاملا ورقة عليها كتابة
بالعربية و ناولها للضيف و قال : ( هل هذه رسالتك؟)
اصيب الرجل بالذهول و كذلك تلاميذ الخليل فهتف سيبوييه مذهولا : ( كيف
فعلتها؟!!) فضحك الخليل و قال لهم ( كرر الرجل مرتين ان الرسالة بالعربية ..... و
ملك الروم يعرف اننى اجهل حروف الكلمات اليونانية .... و هكذا فهمت انهم استخدموا
الحروف اليونانية ليكتبوا لى بها نصا عربيا)
فرد عليه احد تلاميذه ( و هل هذا سهل يا شيخ؟!!) فرد عليه: ( ويحك يا (
كيسان) ... و لماذا اعطانا الله العقل اذن ؟ بما ان هذه الرسالة كتبت بالعربية
فلابد انها بدئت ب ( بسم الله الرحمن الرحيم ) .... هكذا قارنت حروف اول سطر لاعرف
كيف تكون الباء و السين و الميم و الالف و الام و الراء ... الخ فى اليونانية ....
ثم رحت اقرا النص.... فاذا وجدت لفظة اعرف اكثر حروفها استنتجت الحروف الباقية
..... عندما تجد لفظة ( الرس....ل) فانك
تستنتج انها ( الرسول) و هكذا تعرف شكل حرف الواو لدى اليونانيين , و من ثم كونت
الابجدية اليونانية كلها....)
وللعلم الطريقة اللى استعملها
الخليل بن احمد دى هى اللى استعملها شامبليون عشان يفك رموز حجر رشيد ..... يعنى
العرب هما اول من ابتكر تلك الطريقة لفك الرموز على يد الخليل بن احمد.
المشروع العملاق الثانى ل ( الخليل ) كان تعديلا على طريقة تشكيل
الحروف التى ابتدعها العلامة ( أبو الاسود الدؤلى) ... المشكلة هى ان النقاط التى
وضعها الدؤلى لضبط الحركات للحروف كانت تتداخل مع نقاط الحرف ذاتها ..... صحيح ان
نقاط التشكيل كانت تكتب باللون الاحمر لكن الخليل كان يراها غير مريحة للعين ....
فقال لنفسه .... دعنا من حاجة الخطاط الى استخدام حبرين .... و كانت فكرته ان يرسم
على الحرف نفس حرف المد الذى يناسب حركته ... فاذا كنت تضم الحرف رسمت فوقه واو
صغيرة .... و اذا كانت تكسره فلتضع تحته ياء صغيرة ... اما اذا كانت تفتحه فلتضع
فوقه الفا صغيرة...... لم يسترح الناس لهذه الطريقة و لهذا التعديل و حاربوه ....
الا انهم بدءوا ياخذون به بعد وفاة الخليل بدهر .... و سرعان ما دخلت هذه الطريقة
علم القراءات.
المشرو ع الثالث له كان عمل
معجم كامل للغة العربية ... جمع كلمات المعجم بطريقة قائمة على الترتيب الصوتى....
فبدا بالاصوات التى تخرج من الحلق و انتهى بالاصوات التى تنطق من الشفتين , و هذا
الترتيب هو( ع ح ه خ غ....) و سماه معجم ( العين) باسم اول حرف فى ابجديته.
و مرت الايام بالشيخ الجليل بين علومه و كتبه .... و ذات يوم نادى
تلميذه سيبوييه و قال له:( الناس بحاجة الى كتاب فى النحو ... اراك قادرا الان على
تاليف هذا الكتاب ... اما انا فصحتى لم تعد تتحمل هذا الجهد.)
هنا هز سيبوييه راسه فى هيبة معتبرا هذا عهدا.. فربت الشيخ على كتفيه
و اخبره بانه ذاهب الى المسجد .... هذا هو اخر ما سمعه و راه سيبوييه من استاذه و
سيده.... فالقصة التى نقلها الباكون قالت ان ( الخليل) مشى الى السوق فسمع جارية تتشاجر
مع بائع دجاج لانه غالطها فى الحساب ... الرجل يؤكد ان حسابه مظبوط و هى تصرخ و
تتهمه بالنصب..فقال الخليل لمن معه:( الحساب عسير على جارية بائسة كهذه ... لابد
من طريقة لتبسيط جدول الضرب بحيث لا يخدعها أحد ثانية)
كان الان فى المسجد فخلع نعليه و مشى شارد الذهن يفكر.... لو ان هناك
طريقة لتسهيل العمليات الحسابية ..... لو ان هناك طريقة لتسهيل العمليات الحسابية
.... لو ان هناك طريقة لتسهيل العمليات الحسابية .... لو ان هناك.... طااااااااخ!
التفت الجميع ليروه على الارض و الدم الغزير الاسود ينزف من جبهته
.... لقد اصطدم بعامود فى المسجد و هو شارد الذهن غارق فى حساباته... حملوه الى
داره... لكن النتيجة مؤسفة كانت واضحة للعيان ... هذا الشيخ لن يعيش ليتلقى ضربة
اخرى.... لقد قتلته عبقريته و يا لها من ميته!
مات الخليل بن احمد الفراهيدى الذى لم يأت فى العرب بعد الصحابة رجل
اذكى منه....
لكنه خالد ما بقيت اللغة بينما نحن متنا منذ دهوووور .... سوف يخلده
كل من وضع علامة تشكيل على حرف , و كل من تلا القران تلاوة صحيحة ,, و كل من فتح
المعجم بحثا عن كلمة ,,, و كل شاعر سهر الليالى محاولا اصلاح قصيدة مكسورة...... و
سوف يتذكره سيبوييه تلميذه كثيرا.
مات الشيخ و اصبح سيبوييه هو كبير نحاة البصرة فتذكر كلمات الخليل(
الرجال اربعة : رجل يدرى و يدرى انه يدرى ... ذلك عالم فاسالوه .... و رجل لا يدرى
و يدرى انه يدرى فذلك جاهل فعلموه ... و رجل يدرى و لا يدرى انه يدرى فذلك غافل
فايقظوه .... و رجل لا يدرى و لا يدرى انه لا يدرى فذلك احمق فارفضوه!)
شعر سيبوييه بهم شديد فهناك على عاتقه انجاز مهمة ذلك الكتاب فى النحو
الذى كان آخر شىء طلبه منه الخليل.
و بعد اعوام و مجهود و بحث انتهى سيبوييه من كتابه قنبلة علم النحو
.... الكتاب الذى لم يسمه سيبوييه باى اسم فقرر المعاصرون ان يطلقوا عليه اسم (
الكتاب) هكذا بلا اية اضافات ... كانه
يغنى عن اى كتاب اخر.
الكتاب الذى القوا عليه اللوم لانه فكر فى كل شىء فلم يترك شيئا
لعلماء النحو المعاصرين ... هكذا القى بهم فى حفرة النسيان...
و للعلم فان سيبوييه استشهد بآراء ( الخليل ) فى 370 موضعا... و ربما
فى 522 موضعا حسب بعض المصادر ... ان ( الكتاب) هو انشودة حب تخلد ( الخليل) الذى اختلف معه بعض الاراء لكنه
فى النهاية ينحنى امامه تهيبا .
بعد اعوام اكتشف سيبوييه ان
عمره ينقضى و لم يفكر فى الزواج او حياته الشخصية و اخيرا تزوج من امراة تسمى (
نتيلة) و لم اجد للاسف اى تفاصيل عنها على الرغم من انها كما سنرى اثرت كثيرا
بالسلب فى حياتة العلامه ( سيبوييه) .... زوجته كانت تعانى من عدم اهتمامه بها و
انشغاله الشديد فى كتبه و علومه فكانت متمردة على حياتها معه.... فكان يقول لها (
تزوجتينى و انت تعرفين اننى عالم لغة .... هل تغيرت؟) .... فتقول له( لم تتغير و
كنت احسبنى قادرة على ذلك... لكن اى علم؟ هل سال الذهب على رؤوسنا مدرارا مقابل
علمك هذا؟!! نحن الى الفقر اقرب!!)
قال لها سيبوييه ( لم ازعم اننى ملك الفرس ... انت تعرفين من هو (
سيبوييه ) ... ليس لديه مال الا علمه و تقدير طلابه) فصاحت زوجته به و قالت له (
كيف هذا؟ .... حتى خبزك شحيح جاف!) فصاح
سيبوييه فيها بعصبية ( ماذا؟ ( حتى خبزك)) لماذا نطقت الخبز مجرورة ؟ ان حتى
ابتدائية لا محل لها من الاعراب !!!
فتصرخ فيه زوجته( انت الذى لا محل لك من الاعراب) . ههههههههههههههه
.... من الاخر اول مرة اسمع عن خناقة باللغة العربية الفصحى....
المهم بعد الخناقة الظريفة دى خرج سيبوييه متضايق و مشى على السوق
ليشترى خبزا له و لامرئته ... فعاد الى الدار متمهلا غير شغوف بلقاء الزوجة
الجاحده..... هنا وجد دخان كثيف يخرج من النافذة... فهرع على الفور الى داخل الدار ليجد كل كتبه
.... كل مراجعه ... كل اوراقه تحترق فى كومة عظيمة مخيفة الشكل بينما ( نتيلة)
عروسه الرقيقة تهلل فرحا و طربا .... صاح فى هلع ( كتاب النحو... لقد احرقت كتاب
النحو) ... لقد احرقت مذكراته عن الخليل ... لقد احترقت ( دراساته عن مخارج الحروف
لقد احترقت!!!) و سقط فاقدا الوعى آملا ان يفيق ليجد ان هذا كابوس.... و لكن للاسف
كان هذا واقعا حقيقيا حدث معه.
فى الايام التالية لم يسترح العالم العظيم لحظة... لقد سهر الليالى
يستعيد من الذاكرة كتاب النحو المدعو ( الكتاب) ... و لولا هذا الاصرار لما سمعنا
عنه...و فى النهاية عاد الكتاب حيا يرزق .... و اعتقد انه طلق زوجته لان التاريخ
لا يحكى لنا انه خنقها!!!
الان يبدا بعد اعوام الفصل الاخير من حياة سيبوييه ....
( بغداد) العظيمة واحدة من اهم مدن العالم ان لم تكن اهمها بالفعل...
استقر سيبوييه هناك عند( يحيى بن خالد البرمكى) وزير هارون الرشيد لان
له مكانة عظيمة.... كانت شهرة سيبوييه عظيمة لكنه غير معروف او محبوب فى بغداد
.... لقد جاء لبغداد لمناظرة كبير اللغويين بها ( الكسائى) و الكسائى يعشقه لغويين
بغداد و يميلون اليه عن سيبوييه الغريب الفارسى الاصل.
اولا سوف نتعرف فى بغداد على ( الكسائى)...
هو ( على بن حمزة بن عبد الله الاسدى) امام نحاة الكوفة و هو المفضل
لدى الخليفة ( هارون الرشيد) و ليس من الممكن ان يتنازل عن مكانته امام صبى من
البصرة فى الاربعين من عمره كسيبوييه بينما هو شيخ كبير.... فكان لا يمكن ان
يتنازل عن الفوز فى مناظرته مع سيبوييه مهما حصل.
كانت للكسائى جلسات مشهورة يقرا فيها المصحف بينما يجلسون حوله و
يضعون العلامات و يضبطون قراءتهم على قراءته .... فلم يكن جهاز التسجيل معروفا فى
ذلك الوقت لهذا كانت هذه هى الطريقة الوحيدة ...و ليس هذا غريبا اذا تذكرنا ان
جهاز التسجيل لم يكن موجودا حتى فى عصر الشيخ ( محمد رفعت) القارىء الاسطورى ...
كانوا على اسطوانات شمع بدائية ... فلما ظهر جهاز التسجيل تم استنقاذ هذه الدرر
... و لولاها لما سمعنا عن الشيخ ( محمد رفعت)
اصلا و هذا يفسر ذلك الصوت الخشن و الضوضاء العامة المصاحبة للتسجيلات ....
نعود الى قصتنا..... الصراع الان بين مدرسة ( البصرة) و مدرسة(
الكوفة) ..... جاء سيبوييه وسط تلاميذه شاحبا قليلا ... فهو بلغة الكورة لا يلعب
على ارضه .... الجمهور ضده ... لكن ثقته فى نفسه و فى علمه كانت قوية ..
دخل الكسائى ....ضخما مرعبا يحيط به اتباعه كانه بطل من ابطال
المصارعه قبل ان ينزعوا الروب ليلوحوا بالحزام الذى كسبوه فى مباريات سابقة !!!
و المشكلة الان انه لا يوجد حكم بين الرجلان فهما الحكمين الوحيدين
.... فما من احد يعلم قدر علمهما.
تبا المناظرة..... الكسائى بصوت غليظ:( هل تبدا انت بالسؤال ام اسال
انا؟)
سيبوييه ( ابدا انت)....... الكسائى( ما رايك فى العبارة التالية :
كنت أحسب أن العقرب أشد لسعة من الزنبور فاذا هو هى... أم : أحسب أن العقرب أشد
لسعة من الزنبور فاذا هو اياها....؟) .... قال سيبوييه:( أحسب أن العقرب أشد لسعة
من الزنبور فاذا هو هى)....و تلك المسالة معروفه عند دارسوا اللغة حتى الان
بالمسالة الزنبورية...!!!
السؤال الثانى: الكسائى :( ما رايك فى العبارة التالية : خرجت فاذا
عبد الله القائم بضم الميم ... أم عبد الله القائم بفتح الميم؟)... يرد سيبوييه
بثقة ( القائم بالرفع مضموما..) .... هنا دار الكسائى دورة بطيئة يستعرض عظمته و
قال ( بل يجوز الرفع و النصب فى المثالين) .... سيبوييه يقول ( الرفع فقط) و
الكسائى يقول ( الاثنان يجوزان..) ... و هنا تدخل ( يحيى بن خالد) ليلطف المناقشة
فقال فى تلطف:( اختلفتما و أنتما رئيسا بلديكما ... فمن يحكم بينكما؟).... هنا قال
الكسائى فى خبث:( الأعراب .. أعراب الحطمة انهم يجيدون العربية اجادة تامة و هم
يقفون على الباب..) فنادى يحيى طالبا أن يدخلوا الأعراب ... دخل أربعة رجال ضخام
الجثة تبدو عليهم الشراسة ... أسمائهم هى ( أبو فقعس) و ( أبو دثار) و ( أبو
الجراح) و ( أبو ثروان) .... لقد خلدهم التاريخ باسمائهم( جاؤوا مع الكسائى ...
انهم اصدقاؤه!) .... ليحكموا بينه و بين سيبوييه الغريب بينهم و هنا سال الحضور
الحكام عن النتيجة ايهما اصح قول الكسائى ام قول سيبوييه ( فقالوا جميعهم ما قاله
الكسائى صواب ....) فقال لهم احد الحضور و ما هو قول الكسائى :( قال احدهم الصواب
انها بالرفع!) ... فرد عليه السائل ( الكسائى لم يقل هذا ... قال بالرفع و النصب!)
... فردوا جميعهم عليه ( اذن صدق الكسائى ... يجوز الرفع و النصب للكلمة!!!!!) ....
فنظر الحضور لسيبوييه و قالوا له( نعتقدك قبلت التحكيم ..) فرفع يحيى ذراع الكسائى
و صاح :( المناظرة للكسائى...!...) و هنا اطرق سيبوييه و رحل الى مقامه ببغداد يجر
قدميه و هو يتذكر و يتردد فى زهنه( لا جرم ... ساطلب علما لا تلحنى فيه ...) .....
( لا جرم ... ساطلب علما لا تلحنى فيه..) و اخذ عهده مع استاذه القديم ( حماد بن سلمة) يتردد .... أحس سيبوييه بالظلم... لانهم نجحوا
فى التلاعب و الخداع و كسروا كبريائه..) .... و اخذ يقول لتلاميذه الحضور معه ( لم
اهزم ... لم اهزم ... حسبت الخداع فى كل مكان فى العالم ما عدا محراب العلم ...
حتى هنا يوجد تحايل و تزوير و رشوة..!!!) ... ما كان الكسائى ليقبل الهزيمة على
ارضه .. فساله طلابه عما ينويه بعد ما حدث ( هل انت الان عائد للبصرة؟) فنظر اليهم
نظرة شرسة كلها كبرياء و قال لهم( لن اعود الى البصرة ابدا!!)
لقد أبى ان يعود مهزوما الى الارض التى اعتبرته بطلا لها... أبى أن
يرى الشفقة أو خيبة الامل او الدهشة فى عيون محبيه..
ركب ناقته و ارتحل الى خراسان فى فارس.... لم يطل وقت اقامته هناك حتى
اصابته حمى عظيمة .... ياللهول انه يموت فى سن الاربعين على الرغم من ان أكثر
اساتذته احياء ... انه يموت لانه هزم فى مباراة لغوية ! هذا بالفعل يبدوا غريبا
... بل يبدوا مضحكا .... لكنه لا يبدوا غريبا لهذا الحد اذا تذكرنا مدى حساسيته و
اعتداده بنفسه ... اذا تذكرنا كيف صار هو اللغة العربية و اللغة العربية هو... اذا
تذكرنا هذا القسم الرهيب الذى اخذه على نفسه فى صباه... لقد فقد سيبوييه الرغبة فى
الحياة... و هكذا صار أضعف فيروس برد قادر على تدميره .... انها حالة ( أيدز)
نفسية لا شك فيها.... العلم لم يصف الايدز النفسى لكننا نعرف يقينا انه موجود
...... الام قد تموت بعد وفاة ابنها بشهر.... الفتاة قد تفقد حبيبها فتضمر و تموت
خلال اسابيع.... رئيس التحرير الذى عنفه ( السادات ) أمام الجميع فعاد لداره و مات
.... موظف ( تشيكوف) الذى عطس فى وجه موظف كبير لم يقبل اعتذاره فعاد لداره و توفى
خلال يومين!!! ...... سيبوييه مثل واضح يضاف لهذه الحالات ...
مات سيبوييه ..... و أخر ما قاله من شعر .....
يؤمل دنيا لتبقى
له فمات المؤمل قبل الأمل
حثيثا يروى أصول النخيل فعاش
الفسيل و مات الرجل
انتهت القصة ..... و عدنا لمصر ..... اتمنى انى اكون مازهتكوش من
اللغة بل على العكس حسيت و حسستكم بقيمة لغتنا اللى مات عشانها عظماء كتييير
......( الخليل بن احمد ) .... ( سيبوييه) و غيرهم كتيييييير
تصبحوا على خيييييييييير
المصادر :
يوسف العش: قصة عبقرى ... دار المعارف
فتحى سعيد : عشاق لكن شعراء ... دار المعارف
عبد الغنى سلامة : موسيقى الشعر مطبعة صليب بدسوق
عباس محمود العقاد: اللغة الشاعرة مكتبة غريب
احمد خالد توفيق ... فانتازيا ..... شىء من حتى
مواقع الانترنت
جمع و ترتيب و رؤية قصصية ( مصطفى سعد)
هندسة اسيوط
darsh4site@yahoo.com